1

عولمة مكافحة الأمراض غير المعدية

مونتريال – ركزت منظمات الصحة والمبادرات على مستوى العالم – وبشكل خاص منظمة الصحة العالمية – على نحو تقليدي على الأمراض المعدية مثل الملاريا (التي شهدت فشلهم الكبير) والجدري (الذي مثل نجاحهم الأعظم). لكن كان هناك دوما حيز ضيق للصحة العالمية فيما يتعلق باستهداف الأمراض المزمنة غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسطومع إحراز هذه الدول تقدما فيما يتعلق بالتنمية فإن الضغط لتوسيع هذا الحيز يشهد تزايدا.

وبدأت منظمة الصحة العالمية الاهتمام بالأمراض غير المعدية في السبعينات من القرن المنصرم عندما دشنت أول برامجها لخفض أمراض القلب والأوعية الدمويةوبحلول عام 1977 أنشأت المنظمة قسما للأمراض غير المعدية وفي عام 1985، صادقت جمعية الصحة العالمية على مشروع قرار جمعية الصحة العالمية 38.30 الذي يطالب الدول الأعضاء بتطوير استراتيجيات جديدة لمواجهة مشاكل الأمراض غير المعدية.

وبدأ برنامجان: أحدهما يخدم أوروبا الغربية وآخر، أطلق عليه الصحة البينية (إنتر-هيلث)ركزعلى مجموعة مختلطة من الدول، بدءا من تشيلي وتنزانيا إلى فنلندا والولايات المتحدة ويتمثل هدف إنتر-هيلث في تنسيق مجموعة من المشاريع المحلية التجريبية من أجل تطوير نموذج برنامج مرن يتم تطبيقه على الدول التي تمر بمراحل تنمية مختلفة.

وكانت هذه خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن، ولسنوات، ظلت هذه الخطوة تقريبا هي الخطوة الوحيدة التي اتخذتها منظمة الصحة العالمية فيما يتعلق بالأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ثم، وفي عام 1993، حدد تقرير التنمية العالمية ودراسة العبء العالمي للأمراض حجم مشكلة الأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض ومثل ذلك إختراقا مدعم بالإدلة بالنسبة للعمل النشط المتعلق بالأمراض غير المعدية.

وردت منظمة الصحة العالمية على هذا الإختراق – والنقد الذي تسببت في إثارته – بإصلاحات ضخمة وتحت قيادة جرو هارلين برونتلاند التي عملت مديرا عاما لمنظمة الصحة العالمية في الفترة بين عامي 1997 و2002حيث عملت المنظمة على زيادة حشد التأييد لهذا الموضوع ووسعت برنامجها للأمراض غير المعدية وعن طريق تزعم ائتلاف متناميلحشد التأييد لهذا الموضوع (حيث لعبت دورية ذا لانست دورا محوريا)، وضعت منظمة الصحة العالمية نفسها موضع الزعامة في مكافحة الأمراض غير المعدية وتمثلت ذروة نجاحها في هذا الجانب عقد اجتماع الأمم المتحدة الخاص في عام 2011 للأمراض غير المعدية.

لكن جميع هذه الجهود لم تسفر سوى عن نتائج مختلطة فقد زادت بشكل كبير المطبوعات عن مشكلة الأمراض غير المعدية لكن تمويل الأمراض غير المعدية بالكاد يجاري التمويل على الصحة العالمية إجمالا وتراوح ما بين 1 إلى 3 بالمئة (بناء على من الذي يقوم بالإحصاء) من إجمالي المساعدات التنمية الصحية. ونتيجة لذلك، يبدو أن معظم الحكومات في الأقاليم ذات الدخل المنخفض أحرزت تقدما قليل نسبيا لمواجهة الأمراض غير المعدية وكانت التقييمات الأخيرة لبرنامج الأمراض غير المعدية العالمي التابع لمنظمة الصحة العالمية مخيبة للآمال.

لكن الأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط أصبحت تستحوذ على المزيد من الاهتمام مؤخرا وعرف تقرير العبء العالمي للأمراض الأمراض غير المعدية بأنها مشكلة صحية مهيمنة في كل مكان ماعدا في أفريقيا جنوب الصحراء في حين أشار التقرير الأحدث الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية إلى أن معدل الوفيات جراء الأمراض غير المعدية للأشخاص الذين لم تتجاوز أعمارهم الستين عاما أعلى ثلاث مرات في الدول ذات الدخل المنخفض منه في الدول ذات الدخل المرتفع.

وسلطت مثل هذه التقارير الضوء على التهديد الذي تمثله الأمراض غير المعدية في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط حيث جعلته التطورات الأخرى أكثر وضوحا فمن ناحية، توجد دول أكثر تحقق وضع الدول ذات الدخل المتوسط، وتشهد تغييرات في أسلوب الحياة تؤثر على تشكيل أعباء المرض كما تنشىء نظام خدمات صحية أفضل. والأكثر من ذلك، فإن خبراء الصحة العامة وعلماء الأوبئة في الدول المتقدمة مهتمون بشكل كبير بمثل هذه الأمراض وهم من يتزعمون تطبيقات الإنتاج والتفسير والسياسة للبيانات المتعلقة بالأوبئة في جميع أنحاء العالم.

لكن في حين أنه يوجد إجماع عام على الحاجة إلى إيلاء المزيد من الاهتمام – وتقديم المزيد من الموارد – لمكافحة الأمراض غير المعدية، فإن الإجماع ينهار عندما يتعلق الأمر بكيفية تنفيذ المكافحة فالبعض يتبنى تعديل السلوك الفردي، في حين يؤكد آخرون على تدخلات سياسية/تنظيمية، والقضاء على الفقر ودعم المساواة الاجتماعية، وما يزال هناك آخرون يطالبون بالتعاون مع الشركات الخاصة بما في ذلك مجموعة الضغط الدوائية (بيج فارما).

وحتى الوقت الراهن، ما يزال هناك مكان لكل شخص في هذه المعركة، لأن كل شخص يوافق على نقطة حاسمة واحدة: ما نحتاجه بالفعل هو التمويل الكافي ،وربما نشعر بالرغبة بإلقاء اللوم فيما يتعلق بأوجه القصور على منظمة الصحة العالمية، مع بيروقراطيتها المفرطة والتسييس الذي لا مفر منه ولكن هذا ليس هو أساس الموضوع فميزانية منظمة الصحة العالمية قليلة وهدفها الأساسي ما يزال الأمراض المعدية ونتيجة لذلك، فإنها تكافح للاستثمار بصورة ملائمة ليس فقط في الأمراض غير المعدية، لكنها تتراجع أيضا في مجالات أخرى بما في ذلك الصحة العقلية والحوادث والإصابات والألم المزمن.

وينتهج المانحون الذي يقدمون أموالا أكثر مما تقدمه منظمة الصحة العالمية – مثل وكالات الحكومات الأمريكية والأوروبية والجمعيات الخيرية الخاصة والمنظمات غير الحكومية – نفس النهج، ويستثمرون بصورة شاملة في مكافحة الأمراض المعدية وتنتهج الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط نفس النهج.

والحقيقة هي أن الأمراض المعدية –فورية، وتهدد الحياة، وقادرة على الانتشار على نطاق واسع بفضل وسائل النقل الحديثة -تعد أهدافا إجبارية. أما الأمراض غير المعدية – حيث تتطور الأمراض المزمنة ببطء وتؤثر بصورة رئيسية على البالغين الأكبر سنا ومن غير المرجح أن يتم علاجها من خلال إصلاح تكنولوجي سريع – فهي ليست كذلك. كما أن حقيقة وجود برنامج فعال يعالج الأمراض غير المعدية قد يشتمل على مواجهات مطولة مع المصالح متعددة الجنسيات (مثل صناعة الأغذية) لا تعتبر من العوامل المساعدة كذلك.

وعلى الرغم من ذلك، فقد تتغير التوجهات تماما حيث يستمر التجاوب الإيجابي مع محاولات حشد التأييد لهذا الموضوع وتم إنشاء تحالف الأمراض غير المعدية لشرق أفريقيا - وهذا التحالف الجديد عبارة عن ائتلاف فضفاض لمنظمات المجتمع المدني -  لمعالجة التحديات في هذه المنطقة. كما ظهرت جماعات أخرى ومع زيادة الإهتمام  بالإمراض غير المعدية فإن من المرجح أن تبدأ الموارد بالتدفق على هذا الموضوع وإن كان ببطء.

وبالطبع، وعند هذه النقطة، ستنشأ حتما خلافات شديدة عن كيفية إستخدام هذه الموارد. وستكون الوقاية حاسمة فعلى الرغم من أنه بعد ستين عاما من مواجهة الأمراض غير المعدية في الدول المتقدمة أصبح من الواضح أن التدخلات الحادة عادة ما تجتذب المزيد من الدعم وعلى أية حال، يأمل المرء أن هناك دروس قد تم تعلمها من خبرتنا التي تمتد لعقود في مكافحة الأمراض غير المعدية وأن هذه الدروس يمكن تطبيقها في الأوضاع الأكثر تحديا والأكثر فقرا من حيث الموارد في العالم النامي.