3

كيف نتقن إدارة مستقبلنا الحضري

نيويورك ــ بحلول نهاية هذا القرن، سوف يبلغ عدد سكان كوكب الأرض عشرة مليارات، وسوف يعيش 8.5 مليار إنسان في المدن. وقد يكون هذا وصفة أكيدة لكابوس مروع. ولكن بالاستعانة بالقدر الكافي من الإرادة السياسية والرؤية والإبداع ــ فضلاً عن بعض التغييرات السياسية البسيطة والعملية ــ فقد يكون بوسعنا أن نبني مدن الأحلام.

إن المدن تشكل مراكز القوة الاقتصادية والاجتماعية. وهي تدفع التنمية الوطنية والعالمية من خلال تركيز المهارات والأفكار والموارد في موقع واحد. ولكن التطور الحضري السريع يأتي بتكلفة باهظة. فمع توسع المدن، تبتلع الأرض التي كانت لتستخدم لولا ذلك في إنتاج الغذاء. وهي تستنزف إمدادات المياه، وتشكل نحو 70% من استهلاك الطاقة على مستوى العالم، وتولد أكثر من 70% من الغازات الضارة المسببة للانحباس الحراري العالمي.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وإذا كان لنا أن نحافظ على استدامة النمو العالمي وعدالة توزيعه فسوف يكون لزاماً علينا أن نغير التوازن بين التوسع الحضري السريع والاستهلاك المفرط للموارد نتيجة لهذا التوسع. وهذا هو الهدف الرئيسي لمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، والذي حَذَّر من الضغوط غير المسبوقة التي سوف يفرضها النمو الاقتصادي في العقود المقبلة على البنية الأساسية (وخاصة النقل)، والإسكان والتخلص من النفايات (وخاصة المواد الخطرة)، وإمدادات الطاقة.

إن تحقيق النصر في المعركة الدائرة للإبقاء على ديناميكية واستدامة مدن العالم ــ وبالتالي الاقتصاد العالمي ــ أمر وارد وممكن من خلال تطوير طرق مبتكرة في استهلاك مواردنا المحدودة، من دون إهدارها أو إفساد النظم الإيكولوجية الحساسة التي تعتمد عليها. ولتحقيق هذه الغاية فمن الأهمية بمكان أن يتصدى العالم لستة تحديات واسعة.

فأولا، يتعين علينا أن نغير الطريقة التي نصمم بها مدننا. فلابد أن تكون الاستدامة مكوناً أساسياً في كل مشاريع التخطيط الحضري، وخاصة في المدن الساحلية التي سوف تواجه قريباً التأثيرات المدمرة الناجمة عن تغير المناخ. تستخدم المدن الأكثر كثافة سكانية الأراضي بشكل أكثر كفاءة، فهي تقلل الحاجة إلى السيارات الخاصة وتعمل على تحسين نوعية الحياة من خلال توفير المساحات اللازمة للمتنزهات والطبيعة. وعلى نحو مماثل، تعمل شبكات النقل الجماعي المتكاملة على الحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي إلى حد كبير.

ثانيا، يتعين علينا أن نعيد النظر في الكيفية التي نصمم وندير بها البنايات بحيث تستخدم قدراً أقل من الطاقة ــ أو الأفضل من ذلك أن تولد الطاقة التي تحتاج إليها بنفسها. فالبنايات مسؤولة عن كميات كبيرة من الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون نظراً للمواد المستخدمة في بنائها، ومتطلبات التبريد والتدفئة، والوظائف المساعدة مثل إمدادات المياه والصرف الصحي والتخلص من النفايات الصلبة. وينبغي لقوانين البناء أن تعمل على تعزيز هندسة وتكنولوجيات البناء الموفرة للطاقة، والتي يمكن دعمها من خلال الحوافز الضريبية والقواعد التنظيمية الأكثر صرامة. ولأن نحو 30% من سكان المدن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يعيشون في أحياء فقيرة، فإن أحد أعظم الاختبارات التي تواجهنا يتخلص في تحسين ظروفهم المعيشية من دون إلحاق الضرر بالبيئة.

ويكمن التحدي الثالث في تغيير عادات التنقل لدى المواطنين. وهذا يعني التحول من السيارات الخاصة إلى وسائل النقل العام، ومن الطرق إلى السكك الحديدية. والواقع أننا لابد أن نحاول، حيثما كان ذلك ممكنا، الحد من الحاجة إلى السفر على الإطلاق. إن أنظمة النقل التي تحبذ السيارات والشاحنات تتسبب في الحوادث والتلوث والاختناقات المزمنة. فكان قطاع النقل مسؤولاً عن 23% من كل الانبعاثات المرتبطة بالطاقة من ثاني أكسيد الكربون في عام 2004، وهو المصدر الأسرع نمواً للانبعاثات في البلدان النامية. ونحن في احتياج بدلاً من هذا إلى دمج وسائل النقل والإسكان واستخدام الأراضي، وتشجيع الاعتماد على وسائل النقل العام، وجعل شوارعنا جذابة وآمنة للسائرين (وخاصة النساء وذوي الاحتياجات الخاصة).

ويتمثل التحدي الرابع في تغيير الكيفية التي ننتج بها الطاقة وننقلها ونستهلكها. وهذا يشمل إنشاء أنظمة للطاقة أكثر كفاءة وزيادة استثماراتنا في المصادرة المتجددة (والتي سوف تعمل كما نأمل على خلق فرص عمل جديدة). وبوسعنا أيضاً أن نشجع الأسر على الحد من استهلاكها للطاقة، والشركات على الحد من كمية الطاقة التي تهدرها.

وخامسا، لابد من إصلاح إدارة موارد المياه والبنية الأساسية للمياه، بحيث يصبح بوسعنا إعادة استخدام هذا المورد الثمين عدة مرات، وعلى نطاق المدينة بالكامل. وهذا يتطلب دمج الجواب المختلفة لإدارة المياه، مثل الإمدادات المنزلية، وتجميع مياه الأمطار، ومعالجة وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وتدابير السيطرة على الفيضانات.

وأخيرا، يتعين علينا أن نغير الطريقة التي ندير بها النفايات الصلبة بحيث تتحول إلى مورد وليس تكلفة. ففي العديد من البلدان النامية تبلغ نسبة المواد العضوية في النفايات الصلبة 60% إلى 80%، مع تسبب مقالب القمامة المفتوحة في إطلاق كميات هائلة من غاز الميثان إلى الغلاف الجوي. وتنفق الحكومات المحلية التي تعاني من ضائقة مالية نحو 30% إلى 40% من ميزانياتها على إدارة النفايات ولكنها تسترد القليل في المقابل. ولكن برغم هذا، ومن خلال بعض التحسينات في التصميم والتكنولوجيا المستخدمة ــ كتحقيق معدلات أعلى من الكمر وإعادة التدوير على سبيل المثال ــ يمكننا تحويل 90% من هذه النفايات إلى مواد مفيدة، مثل الغاز الحيوي والوقود المشتق.

Fake news or real views Learn More

وتتطلب هذه الخطوات الست تغييراً سلوكياً شاملاً ومنسقا، وسوف تتطلب أيضاً التعاون من قِبَل كافة المستويات الحكومية، والاستثمارات الضخمة، وتبادل الأفكار، ومحاكاة أفضل الممارسات، والتخطيط للأمد البعيد. والحق أن التحدي هائل وشاق ولكن التصدي له ليس مستحيلا. وإذا تمكنا من التغلب عليه فإن العالم قد يحصل على المستقبل الحضري الذي يستحقه.

ترجمة: إبراهيم محمد على Translated by: Ibrahim M. Ali