0

لا حدود للابتسام

إذا حدث أن خرجت سائراً في شوارع حيك وأنت تحمل على وجهك تعبيراً طلقاً مبتسماً، فكم في اعتقادك عدد من سيبتسمون لك أو يحيونك بشكل أو آخر؟

إن التبسم ممارسة إنسانية عالمية، إلا أن الاستعداد للتبسم للغرباء يتفاوت تبعاً للثقافة. ففي أستراليا حيث الانفتاح والتودد إلى الغرباء ليس بالأمر غير المعتاد، كانت مدينة بورت فيليب، التي تحتل جزءاً من الضواحي المجاورة للخليج في ملبورن، تستخدم المتطوعين لاستكشاف مدى استعداد الناس للتبسم للمارة في الشارع. ثم علقت المدينة لافتات تشبه اللافتات التي تمنع تجاوز سرعة معينة، إلا أنها تحمل عبارات تخبر المارة المترجلين أنهم، على سبيل المثال، في "منطقة العشر ابتسامات في الساعة".

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order's fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

أهذا هراء عابث؟ أهو إهدار لأموال دافعي الضرائب؟ تقول العمدة جانيت بوليثو إن وضع مثل هذه اللافتات ليس أكثر من محاولة لتشجيع الناس على التبسم أو إلقاء التحية على الجيران والغرباء أثناء مرورهم بالشارع. وتضيف أن التبسم يشجع الناس على الشعور بالأمان وبقدر أكبر من الارتباط فيما بينهم، الأمر الذي من شأنه أن يلطف من الخوف من الجريمة ـ وهو ما أصبح يشكل عنصراً هاماً في صياغة نوعية الحياة في العديد من الأحياء بالمدن.

وفي محاولة مماثلة لحمل المقيمين على التعارف فيما بينهم، قررت حكومة المدينة أيضاً تيسير إقامة الاحتفالات في الشوارع. وهي تترك التفاصيل للمواطنين المحليين، إلا أنها تقدم إليهم المشورة التنظيمية، وتقرضهم معدات الشواء والشماسي، وتغطي تأمين المسئولية العامة. وفي احتفالات الشوارع هذه كثيراً ما يلتقي، لأول مرة، العديد من الجيران الذين عاشوا في نفس الشارع لعدة سنوات ولم يلتقوا من قبل.

كل هذا يشكل جزءاً من برنامج أضخم يسعى إلى قياس التغيرات في نوعية الحياة في المدينة، حتى يتمكن مجلس المدينة من استكشاف ما إذا كان يقود المجتمع نحو اتجاه مرغوب. ويرغب مجلس المدينة في تحويل بورت فيليب إلى مجتمع يحمل مقومات البقاء والاستمرار، ليس فقط على الصعيد البيئي، بل وأيضاً من حيث العدالة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي، والحيوية الثقافية.

إن القائمين على بورت فيليب جادون في تحويل مواطني المدينة إلى مواطنين عالميين صالحين. فبدلاً من أن يُـنْـظَر إلى امتلاك سيارة خاصة كعلامة على الرخاء والرفاهية، ترى المدينة أن انخفاض عدد السيارات ـ وارتفاع معدلات استخدام وسائل الانتقال العامة ـ علامة تشير إلى إحراز تقدم على مسار تقليص انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري لجو الأرض، بينما تشجع على انتهاج أسلوب حياة أكثر صحة، حيث يتعود الناس على السير أو ركوب الدراجات. كما تسعى المدينة إلى اعتماد تصميمات أقل استهلاكاً للطاقة في تشييد البنايات الجديدة.

ترى بعض الحكومات المحلية أن دورها يتلخص في تقديم الخدمات الأساسية مثل جمع القمامة وصيانة الطرق ـ وبالطبع تحصيل الضرائب لتغطية هذه التكاليف، بينما تدعم حكومات محلية أخرى اقتصاد المنطقة، عن طريق تشجيع انتقال الصناعات إليها، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من فرص العمل ويوسع من قاعدة الضرائب المحلية.

أما حكومة مدينة بورت فيليب فإنها تتبنى نظرة أبعد مدىً وأطول أمداً. فهي تريد لأجيال المستقبل التي ستعيش في نفس المجتمع بعد رحيل الجيل الحالي أن تحظى بنفس الفرص في الحصول على حياة طيبة كتلك التي يحظى بها جيل اليوم. ومن أجل حماية نوعية الحياة هذه فلابد وأن تتمكن الحكومة من قياس كافة الجوانب المتعددة التي تساهم في تشكيل نوعية الحياة ـ وانتشار الود بين الناس من بين هذه الجوانب.

تحتل قضية منع الجريمة، بالنسبة للعديد من الحكومات الوطنية والمحلية أولوية أعلى كثيراً مقارنة بتشجيع الصداقة والتعاون بين الناس. ولكن كما أكد بروفيسور ريتشارد ليارد من جامعة لندن للاقتصاد في كتابه الأخير "السعادة: دروس من علم جديد"، فإن الترويج للصداقة والود يشكل وسيلة أكثر سهولة، وأقل تكلفة، وقد تمتد فوائدها إلى جعل الناس أكثر سعادة. ما الذي يمنع هذا التوجه إذاً من تشكيل بؤرة اهتمام في صياغة السياسة العامة؟

إن الخبرات والتجارب الإيجابية بالغة الصغر قادرة على تحسين مشاعر الناس تجاه أنفسهم، بل وتشجيعهم على مساعدة الآخرين. في سبعينيات القرن العشرين أجرت أليس آيسن و باولا ليفين العالمتان في مجال علم النفس تجربة على مجموعة من الأفراد تم اختيارهم عشوائياً من بين من يستخدمون هواتف العملة، حيث وجد كل منهم عملة معدنية من فئة العشرة سنتات تركها شخص كان يجري مكالمة قبل كل منهم، بالإضافة إلى مجموعة أخرى لم يجد أفرادها مثل هذه العملة المعدنية. ثم أتيحت الفرصة بعد ذلك لأفراد المجموعتين لمساعدة إحدى النساء المارات على التقاط ملف من الأوراق أسقطته أمامهم.

وتزعم آيسن و ليفين أن أربعة عشر شخصاً من بين الستة عشر الذين وجدوا العملة المعدنية ساعدوا المرأة في التقاط الأوراق، بينما لم يتقدم لمساعدتها من بين الخمسة والعشرين شخصاً الذين لم يجدوا عملة معدنية سوى شخص واحد. كما اكتشفت دراسة أخرى فرقاً مماثلاً في الاستعداد للسير إلى صندوق البريد لوضع خطاب بريدي معنون تركه شخص ما قبلهم في كابينة الهاتف: حيث تبين أن من وجدوا العملات أبدوا استعداداً أكبر لإرسال الخطاب.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ورغم أن بحثاً لاحقاً ألقى بظلال من الشك على وجود مثل هذا الفارق الضخم، إلا أنه من المؤكد أن المزاج النفسي الطيب يدفع الناس إلى الرضا عن أنفسهم والرغبة في مساعدة الآخرين. ويشير علماء النفس إلى هذا بالتحمس إلى فعل الخير. ما الذي يمنع اتخاذ مثل هذه الخطوات الصغيرة التي قد تؤدي إلى خلق مثل هذه الحماسة من التحول إلى جزء من الدور الذي تضطلع به الحكومة؟

وإليكم مقياس واحد من مقاييس نجاح مثل هذه المساعي: لقد ارتفع معدل من قد يبتسمون لك في شوارع بورت فيليب من 8% إلى 10% على مدار العام ونصف العام الماضي.