2

ساندينيستا ولعبة الثلاث ورقات

سانتياجو ــ أعلى كل بناية ضخمة في وسط مدينة ماناجوا، عاصمة نيكاراجوا، تظهر لوحات إعلانية ضخمة تعلن أن "سنوات النصر" أتت بفضل نِعمة الرب. وبطبيعة الحال، كان من حقق هذه الانتصارات، برعاية الرب، الرئيس الأكبر من الحياة ذاتها دانييل أورتيجا وزوجته روزاريو موريلو نائبة الرئيس، اللذان تصورهما اللوحات الإعلانية وهما يتطلعان إلى السماء بنظرة ثابتة. وعقيدتهما كما تقول اللوحات الإعلانية هي "المسيحية، والاشتراكية، والتضامن".

من العجيب أن يبحث ثوري اشتراكي ــ والذي وصل إلى السلطة بعد استخدام العنف للإطاحة بالدكتاتور أناستاسيو سوموزا ــ عن الشرعية في إله المسيحية. والأمر الأكثر غرابة هو العلاقة التي أقامها أورتيجا مع مجتمع الأعمال المحلي. إذ يتحدث أقطاب المال والأعمال من ذوي النفوذ بفخر عن استشارة الحكومة لهم حول كل التشريعات الاقتصادية. ويتهم المنتقدون رجال الأعمال بأنهم "يشاركون النظام في التشريع".

عندما تسببت حكومة الولايات المتحدة مؤخرا في إحداث ضجة من خلال ادعائها أن ممارسات النفوذ والتنفيذ التعسفي للقانون يدفع المستثمرين الأجانب بعيدا عن نيكاراجوا، سارع خوسيه أدان أجويري، رئيس منظمة الأعمال الرائدة "كوسيب"، إلى الدفاع عن الحكومة. فزعم أجويري أنه إذا زودته السفارة الأميركية بقائمة بأسماء الشركات الأجنبية التي تواجه عقبات، فسيعمل شخصيا على ضمان حل مشاكلها.

في وسط مدينة ماناجوا هناك متنزه يحمل اسم سلفادور الليندي، الرئيس الاشتراكي الشيلي المخلوع في انقلاب عسكري عام 1973، وتمثال مبهرج لرجل فنزويلا القوي هوجو شافيز، تميل درجات ألوانه إلى الاصفرار فتجعله أشبه ببارت سيمبسون. وإذا قلنا إن حقوق الملكية في نيكاراجوا ليست آمنة تماما فإن هذا لا يعبر بشكل دقيق عن جسامة الأمر. فالسلطة القضائية لا تبتعد كثيرا عن رغبات أورتيجا، ويُنظَر إلى الإدارة العامة على نطاق واسع على أنها فاسدة.

في عام 2015 احتلت نيكاراجوا المرتبة الثامنة والعشرين على مؤشر البنك الدولي لسيادة القانون، أي أن 72% من الدول كان أداؤها أفضل. وعلى مؤشر السيطرة على الفساد، جاء أداء نيكاراجوا أسوأ، في المرتبة التاسعة عشرة.

ورغم ذلك، مع السيطرة على التضخم ونمو الاقتصاد بمعدل ثابت من 4% إلى 5% في السنوات الأخيرة، يبدو القطاع الخاص سعيدا. وتشير وفرة الرافعات في ماناجوا إلى طفرة في تشييد البنايات التجارية.

منذ استعاد أورتيجا الرئاسة في عام 2007 (ترك منصبه في عام 1990 بعد أن خسر الانتخابات لصالح فيوليتا باريوس دي تشامورو، كما خسر الانتخابات الرئاسية في عام 1996 ثم في عام 2001)، كان نظامه يتحرك بثبات نحو الاستبداد. وفي عام 2009، سمحت له المحكمة العليا التي شغل مقاعدها بحلفائه بالتحايل على الحدود الخاصة بمدد الرئاسة، وخاض الانتخابات الرئاسية مرة أخرى. ومنذ ذلك الحين، منحته الجمعية الوطنية، التي يهيمن عليها أورتيجا، الحق في الترشح لعدد غير محدد من الفترات.

وقبل الانتخابات الوطنية في نوفمبر/تشرين الثاني، جاملته المحكمة العليا مرة أخرى، بمنع زعيم المعارضة الرئيسي إدواردو مونتيليجري من المشاركة. ثم أعيد انتخاب أورتيجا بحصوله على 72% من الأصوات. ولا أحد يستطيع أن يجزم بحجم الإقبال على صناديق الاقتراع (الأرقام الرسمية غير جديرة بالثقة)، ولكن تقديرات مراقبين مستقلين تشير إلى أن ثلثي الناخبين لزموا بيوتهم.

الواقع أن النزعات الاستبدادية للنظام لم تمر دون أن ينتبه إليها أحد على المستوى الدولي. فالآن، يدرس الكونجرس الأميركي مشروع قانون يفرض عقوبات على نيكاراجوا إذا لم يتحرك أورتيجا لاستعادة الحريات الديمقراطية ووقف الفساد. وفي حالة استنان هذا القانون، فسوف تصدر التعليمات إلى النواب الأميركيين بالتصويت ضد أي قروض لنيكاراجوا من كل الجهات المقرضة المتعددة الأطراف، وسوف تضطر الحكومة الأميركية إلى جمع ونشر قائمة بالمسؤولين الفاسدين في نيكاراجوا.

الواقع أن الجمع بين الخطاب الاشتراكي والنزعة الشركاتية المحابية لأهل المال والأعمال أمر جديد على أميركا اللاتينية غالبا. فقد شهدنا بعض ذلك في الإكوادور في عهد الرئيس رافاييل كوريا، الذي تنحى مؤخرا بعد ثلاث ولايات في منصبه. ولكن ينبغي للمرء أن يتحول باتجاه آسيا ــ فيتنام والصين على سبيل المثال ــ لكي يجد تركيبة مماثلة.

بيد أن نموذج أورتيجا يبدو أقل استدامة من نموذج الاشتراكيين المفترضين في آسيا. فقد أقامت فيتنام نموها على التصنيع السريع، الذي بات ممكنا بفضل الاندماج في سلسلة القيمة الإقليمية المتمركزة في الصين. ولم يحدث أي شيء من هذا القبيل في نيكاراجوا، التي تظل معتمدة على الصادرات القائمة على الموارد الطبيعية: لحوم الأبقار، والسكر، والبن، وقليل من التعدين.

ولم توفر اتفاقية التجارة الحرة بين جمهورية الدومينيكان وأميركا الوسطى سوى دَفعة دامت أسبوعا واحدا للصادرات الجديدة. وعلى النقيض من كوستاريكا، لا تملك نيكاراجوا صناعة تكنولوجية فائقة. أما أنشطة التجميع وإعادة التصدير فهي أكثر ضآلة مما هي عليه في السلفادور أو جمهورية الدومينيكان، ناهيك عن المكسيك. وفي أطلس التعقيد الاقتصادي الذي جمعه باحثون من كلية كينيدي في جامعة هارفارد، تحتل نيكاراجوا المرتبة 106 بين 124 دولة.

وهذا أحد الأسباب التي تدعو إلى التشكك في استدامة النمو الاقتصادي الذي شهدته نيكاراجوا مؤخرا. ويتمثل سبب آخر في اختفاء المعونات الفنزويلية. لا أحد يستطيع أن يجزم بمقدار الأموال التي ضخها النظام الفنزويلي إلى نيكاراجوا، ولكن ربما نسمع تقديرات من مصادر حسنة السمعة تبلغ نحو 500 مليون دولار سنويا لمدة تقرب من عشر سنوات.

وهذا مبلغ كبير من المال في دولة ناتجها المحلي الإجمالي لا يكاد يتجاوز 13 مليار دولار. وقد سمح لأورتيجا بتحفيز الاقتصاد وفي الوقت نفسه شراء الدعم من جماهير انتخابية رئيسية. ولكن في ظل السقوط الحر الذي يشهده اقتصاد فنزويلا اليوم، وانزلاق البلاد إلى الفوضى السياسية، انتهى هذا السخاء.

يرجع قسم كبير من النمو الاقتصادي في نيكاراجوا مؤخرا إلى ظاهرة مألوفة لدى فيتنام: فالدول المنخفضة الدخل التي تحقق قدرا متواضعا من استقرار الاقتصاد الكلي تشهد غالبا طفرة في النمو. وفي الاقتصادات المتخلفة نسبيا، حيث "لم يُفعَل أي شيء بعد"، من السهل رصد الفرص الاستثمارية المربحة في وقت مبكر.

ولكن قانون تناقص العائدات يتدخل في نهاية المطاف. فبمجرد ترسخ أساسيات الاقتصاد الاستهلاكي، يتطلب الحفاظ على العوائد المرتفعة تطوير منتجات جديدة، وبناء قطاعات جديدة، واختراق أسواق جديدة.

وقد تبين مدى صعوبة القيام بهذا الأمر حتى في دول أميركا اللاتينية، مثل شيلي، التي تتمتع بمؤسسات قوية وسيادة القانون. وسوف يكون الأمر أشد صعوبة في دولة مثل نيكاراجوا، التي تفتقر نسبيا إلى رأس المال البشري والتي يحكمها ما أسماه جيمس روبنسون من جامعة شيكاغو ودارون أسيموجلو مؤسسات سياسية واقتصادية إقصائية.

وعلى هذا فإن التباطؤ الاقتصادي قادم عاجلا وليس آجلا في الأرجح. وعند هذه النقطة، سوف يشعر قادة المال والأعمال المحليون بقدر أقل من الفخر في علاقتهم الدافئة مع الحكومة الاستبدادية. وسوف تجد الحكومة صعوبة أكبر كثيرا في محاولة تأمين حالة من السكون بين السكان المتوترين. ومن المؤكد عند هذه النقطة أن تحقيق المزيد من الانتصارات السياسية لأورتيجا وزوجه سوف يتطلب بالفعل نِعمة الرب وفضله.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel