Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

snower3_Malte Mueller Getty Images_handdrawingheartcutout Malte Mueller/Getty Images

محاربة أمراض العوز والوفرة

برلين ــ تنشأ "أمراض العوز" عن الفقر، في حين ترتبط "أمراض الوفرة" بالثراء والرخاء. والعديد من الأمراض في كل من الفئتين يمكن تجنبها، لكن منعها يتطلب تغييرا ثوريا في النهج الذي نتبناه في التعامل مع الطب.

أمراض العوز يمكن تجنبها لأن الفقر يمكن تجنبه. ونحن نملك الخبرة الفنية اللازمة للقضاء على الفقر المدقع ببساطة من خلال تبادل المعلومات، وتوليد المهارات ذات الصِلة، وإعادة توزيع جزء صغير من الموارد الاقتصادية. وعلى هذا فإن فشلنا في التغلب على أمراض العوز لا يعكس الافتقار إلى المعرفة، بل الافتقار إلى الإرادة. وهذا التقاعس، وليس الأمراض ذاتها، هو ما يجب أن نتصدى له.

على النقيض من ذلك، تنشأ أمراض الوفرة ــ مثل البدانة، والأمراض المرتبطة بالتبغ، والاكتئاب، ومرض السكري، وأنواع عديدة من السرطان ــ لأن أنماط حياتنا الموسرة المترفة تجعلنا مرضى. ومثل هذه الأمراض أيضا يمكن تجنبها، ولكن مرة أخرى، نحن نفتقر إلى الإرادة اللازمة للتغلب عليها. وبمجرد أن ندرك هذه الحقيقة، سنصبح أكثر قدرة عل معالجة أمراض العوز أيضا.

المشكلة هي أن الطب الحديث يركز في المقام الأول على العلاج وليس الوقاية. من المفترض أن الناس يتمتعون بالحق في العيش كما يحلو لهم، وإذا أصابهم مرض خطير فإن نظامهم الصحي ــ الذي يتألف من الأطباء، ومديري المستشفيات، وشركات التأمين، والباحثين الطبيين، والعديد من موظفي الدعم غير الطبيين ــ يفترض أن يعالجهم.

إذا اتبعنا نهجا معادلا في التعامل مع سلامة الطيران، فسوف نسمح لأي شخص بقيادة الطائرات، برخصة أو بدون رخصة، ولن نراقب معدات السلامة. وإذا سقطت إحدى الطائرات، فسوف يبذل موظفو سلامة الطيران كل جهد ممكن لإنقاذ المصابين، وهي ممارسة مكلفة، نظرا لجسامة الإصابات.

مع ذلك، في الممارسة العملية، تركز جهود سلامة الطيران بشكل كامل تقريبا على منع وقوع الحوادث في المقام الأول. فشركات الطيران ملزمة بصيانة طائراتها بانتظام. والمعلومات حول الطقس متاحة بسهولة. ويتلقى الطيارون وغيرهم من العاملين في مجال الملاحة الجوية تدريبات رسمية شديدة الدقة في مجال السلامة، وتضمن القواعد المطبقة بصرامة أن أداء الطيار لن يعرقله إجهاد أو خَـمر. وتفرض صناعة الطيران العديد من التدابير الوقائية الأخرى، وأغلبها يجري تنفيذه تلقائيا.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

علاوة على ذلك، يجري التحقيق في جميع حوادث الطيران الكبرى من قِبَل هيئة وطنية تُـنشَر تقاريرها علنا. ويُـمنَح الطيارون عادة الحصانة من الملاحقة القضائية. وتعتبر صناعة الطيران سلامة كل مسافر مهمة بنفس القدر، بصرف النظر عن الثمن الذي دفعه مقابل تذكرته. فتعكس الاختلافات في أسعار التذاكر الفوارق في الراحة وحسن الضيافة، ولكن ليس السلامة.

لنفترض الآن أننا طبقنا نهج سلامة الطيران على الطب. إذا حدث هذا فسوف يحصل الجميع على فحوصات صحية إلزامية منتظمة، فضلا عن تمكينهم من الوصول المضمون إلى المعلومات حول الحياة الصحية. بالإضافة إلى هذا، سوف يتلقى الجميع تدريبا شديد الدقة حول كيفية الحفاظ على صحتهم، سواء كان ذلك في المدرسة أو العمل. وسوف يجري تطبيق وإنفاذ قواعد حماية صحة المرء بصرامة، مع إجراء فحوصات السلامة الصحية التلقائية في البيت، والعمل، وأماكن أخرى.

في الوقت ذاته، ستتولى هيئة وطنية التحقيق في كل الأمراض الرئيسية ونشر تقاريرها علنا. وسوف يكون الأطباء، مثل الطيارين، في مأمن من الملاحقة القضائية. وأخيرا، سوف يولي النظام ذات القدر من الاهتمام للصحة الأساسية لكل شخص، بصرف النظر عن المبلغ الذي يدفعه مقابل الحصول على الرعاية الصحية. وسوف تعكس المستويات المختلفة من الإنفاق الفردي على الصحة الفوارق في الراحة وحسن الضيافة، ولكن ليس العلاج.

من أجل اكتساب العقلية الموجهة نحو الصحة في الطب، في محل النظرة الواسعة الانتشار للطب على أن المقصود منه علاج الأمراض، من المفيد أن نسترشد بـ "الصيغة الصحية" التي ابتكرها ديتليف جانتن: إن صحتك تعتمد على حالة جسمك البيولوجية، والبيئة التي تعيش فيها، وسلوكك.

مثل أغلب الرؤى العميقة، تبدو صيغة جانتن واضحة بمجرد التعبير عنها. ومن الأهمية بمكان أنها تفهم الصحة باعتبارها حالة تتحقق عندما يتكيف سلوكنا داخل بيئتنا مع احتياجاتنا الجسمانية. وعلى هذا فإن أي سلوك يجعل أجسامنا عاجزة عن التكيف مع بيئتنا فهو غير صحي، وكذا أي بيئة ننشئها من خلال أساليب حياتنا التي تجعل سلوكنا غير قادر على التأقلم مع أجسامنا.

بمجرد أن نتعامل مع هذه الصيغة الصحية بجدية، سنرى الطب بأعين جديدة. على سبيل المثال، سندرك أن الأمراض مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والتهاب المفاصل، والنقرس، وحرقة فم المعدة، وحصوات المرارة، فضلا عن سرطان الثدي والأمعاء والبروستاتا، تنشأ عموما نتيجة للبدانة والإجهاد والتوتر. وتأتي البدانة غالبا نتيجة لعادات العمل والترفيه التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة، والتي تنتج عن الطريقة التي نبني بها مكاتبنا ومدارسنا ومدننا. وعلى هذا فإن جزءا مهما من التعامل مع أمراض الوفرة يتمثل في تغيير الناس لروتين حياتهم اليومي ــ من خلال المشي السريع بشكل متكرر، وممارسة الرياضة بانتظام، والجلوس على مقاعد مصممة على النحو المناسب، وتجنب الأطعمة السكرية.

من ناحية أخرى، يحدث الإجهاد والتوتر في كثير من الأحيان بسبب انعدام الشعور بالأمان، أو عدم التمكين في العمل، أو البطالة، أو التشرد، أو الروابط الاجتماعية المتضائلة. ومن هنا فإن معالجة هذه المشكلة تنطوي على عواقب ضمنية تؤثر على سياسات الحكومة بقدر ما تؤثر على استراتيجيات الشركات. على سبيل المثال، من الممكن أن يساعد إعطاء العمال القدرة على السيطرة على جداول أعمالهم اليومية، وتشجيع ثقافات العمل التعاوني، والاهتمام بالتدريب في العمل، في التخفيف من التوتر والإجهاد والمساهمة في الصحة العامة.

ستظل الأدوية، والأطباء، وغرف العمليات تلعب دورا في مثل هذا النظام الصحي بطبيعة الحال، ولكن فقط بعد مراعاة جميع ضوابط وفحوصات السلامة ــ تماما كما تؤدي سيارات الإسعاف وظيفيتها بعد سقوط طائرة. بدلا من ذلك، ينبغي لنا أن نركز في الأساس على الكيفية التي ندير بها حياتنا، والمثال الذي نقدمه للأسرة والأصدقاء، وما نعلمه لأبنائنا، والسياقات المادية والاجتماعية التي ننشئها لأنشطة العمل والترفيه. وعلى الرغم من الحجة القوية أيضا لصالح الرعاية الصحية الشاملة والدور المهم الذي يجب أن تضطلع به الحكومة، فإن هذا الدور يكمن في المقام الأول في الوقاية.

ومن شأن ذات النهج الوقائي أن يساعد أفقر بلدان العالم على التغلب على أمراض العوز. وينبغي لأي مساعدة تقدم لهذه البلدان أن تركز على القضاء على الفقر المدقع وخلق الظروف الاجتماعية، والعادات، والتوقعات، والقيم، والقواعد، والقوانين الكفيلة بتعزيز الصحة.

هذه رؤية جديدة للطب في البلدان الغنية والفقيرة، حيث لا تزال الأنظمة الصحية تركز في الأغلب الأعم على علاج الأمراض. فمن خلال التركيز بدلا من ذلك على الوقاية، مع العمل على تكييف بيئاتنا وسلوكياتنا مع احتياجاتنا الجسمانية، يصبح بوسعنا أن نبدأ عصرا جديدا من الطب يمكننا من السيطرة على مجموعة كبيرة من الأمراض التي يمكن تجنبها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/vg6Bg7Yar;
  1. guriev24_ Peter KovalevTASS via Getty Images_putin broadcast Peter Kovalev/TASS via Getty Images

    Putin’s Meaningless Coup

    Sergei Guriev

    The message of Vladimir Putin’s call in his recent state-of-the-nation speech for a constitutional overhaul is not that the Russian regime is going to be transformed; it isn’t. Rather, the message is that Putin knows his regime is on the wrong side of history – and he is dead set on keeping it there.

    3