16

الواقع المالي الجديد

باريس ــ "عندما تتغير الحقائق، أغير رأيي. ماذا تفعل أنت يا سيدي؟" هكذا أجاب جون ماينارد كينز عندما انتُقِد لأنه غير موقفه من الاستجابة السياسية لأزمة الكساد الأعظم. والواقع أن هذا النوع من البرجماتية ليس شائعا: فالآراء السياسية تتسم غالبا بقدر كبير من الجمود. وكثيرا ما تتشكل وجهات نظر اليوم وفقا لحقائق الأمس.

والسياسة المالية مثال واضح على ذلك. فقد تغيرت الحقائق بطريقتين على قدر كبير من الأهمية. فأولا، كانت تكاليف الاقتراض للدول ذات السيادة منخفضة بشكل استثنائي. ففي نهاية أكتوبر، كان العائد السنوي للسندات الحكومية التي تصدرها فرنسا، وهي الدولة التي يقترب دينها العام من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، 0.5% لسندات العشر سنوات و1.6% لسندات الخمسين عاما. كما تمكنت إيطاليا وأسبانيا، وكل منهما واجهت عزوفا من قِبَل المستثمرين قبل خمس سنوات، من استغلال سوق سندات الخمسين عاما. وما دام الطلب المرتفع على سندات الدين الحكومية باقيا (وهو موضوع نقاش بين خبراء الاقتصاد)، فإنه يوفر فرصة غير مسبوقة لتمويل الاستثمار العام.

يتمثل أحد العوامل الأساسية في اتخاذ قرار الاقتراض في الفارق بين معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي وسعر الفائدة: فإذا كان سلبيا يصبح سداد الدين سهلا، لأن الدخل الاسمي ينمو بسرعة أكبر من عبء الفائدة. وباستخدام الماضي (البائس إلى حد ما) كمعيار، يصبح من الصعب أن نصدق أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الفرنسي سوف يتزايد بأقل من 0.5% سنويا على مدار السنوات العشر المقبلة: ففي الفترة من 2005 إلى 2015، بلغ النمو السنوي في المتوسط نحو 2.1%. ولهذا فإن أسعار الفائدة المنخفضة تمثل فرصة لا ينبغي إهدارها.

والطريقة الثانية التي تغيرت بها الحقائق هي أن نمو الناتج كان مخيبا للآمال. ففي أحدث تقاريره بشأن توقعات الاقتصاد العالمي يشير صندوق النقد الدولي إلى بقاء الناتج والاستثمار في الدول المتقدمة عند مستويات أقل من المتوقع على نحو دائم طوال العامين الماضيين، على الرغم من انخفاض أسعار النفط والظروف النقدية المواتية. وجاءت التوقعات لمنطقة اليورو مخيبة للآمال بشكل خاص: إذ يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الناتج من 2% في عام 2015 إلى 1.7% في عام 2016، ثم 1.5% في عام 2017.