38

عصر الفوضى

نيويورك ــ إن الحقب التاريخية يصعب تمييزها قبل أن تنتهي. فلم يصبح عصر النهضة معروفاً بعصر النهضة إلا في وقت لاحق. ويصدق نفس القول على العصور المظلمة (أو القرون الوسطى) التي سبقت عصر النهضة، أو أي عصور أخرى. والسبب بسيط: فمن المستحيل أن نعرف ما إذا كان أحد التطورات الواعدة أو المثيرة للقلق يأتي منفرداً أو يمثل بداية اتجاه دائم.

بيد أنني أزعم رغم ذلك أننا نشهد اليوم نهاية حُقبة من تاريخ العالم وبزوغ فجر حقبة أخرى جديدة. لقد مر ربع قرن من الزمان منذ سقط سور برلين ونهاية أربعين سنة من الحرب الباردة. ثم أعقب ذلك عصر التفوق الأميركي، والازدهار المتزايد الذي تحقق لكثيرين، وظهور عدد كبير من المجتمعات والأنظمة السياسية المنفتحة نسبيا، وانتشار السلام، بما في ذلك التعاون الملموس بين القوى الكبرى. والآن، انتهى ذلك العصر أيضا، لكي تبدأ حقبة جديدة أقل خضوعاً للنظام وأقل سلمية.

فيعيش الشرق الأوسط الآن المراحل المبكرة من النسخة المعاصرة من حرب الثلاثين عاما، حيث من المحتم أن تعمل الولاءات السياسية والدينية على تأجيج صراعات مطولة ووحشية أحياناً داخل وعبر الحدود الوطنية. ومع سلوكها في أوكرانيا وأماكن أخرى، تتحدى روسيا ما كان يُعَد نظاماً أوروبيا مستقراً في الأغلب والذي تأسس على المبدأ القانوني الذي يقضي بعدم إمكانية الاستحواذ على الأرض بالقوة العسكرية.

ومن جانبها، ظلت آسيا في سلام في الأغلب الأعم. ولكنه سلام غير مستقر، سلام قد يتلاشى في أي لحظة، وذلك نظراً لعدد كبير من المطالبات التي لم يبت فيها بالسيادة على بعض الأراضي والمناطق المختلفة، وهو ما من شأنه أن يثير النزعات القومية، فضلاً عن الافتقار إلى الترتيبات الثنائية أو الإقليمية القوية بالقدر الكافي لمنع المواجهات أو تهدئتها. ومن ناحية أخرى، فإن الجهود العالمية الرامية إلى إبطاء تغير المناخ، وتعزيز التجارة، ووضع قواعد جديدة للعصر الرقمي، ومنع أو احتواء تفشي الأمراض المعدية، غير كافية.