Getty Images Poland/Karol Serewis

إنقاذ الناتو من ترامب

مدريد- قبل تسعة وستين عاما، اجتمع  وزراء خارجية 12 دولة في شمال أميريكا وأوروبا الغربية في العاصمة واشنطن، من أجل توقيع معاهدة الشمال الأطلسي، التي" قرروا بموجبها توحيد جهودهم للدفاع الجماعي والحفاظ على السلم والأمن." وحافظت منظمة حلف الشمال الاطلسي التي تمخضت عن هذا الاجتماع على السلم والرفاهية المستدامين لمدة تعتبر الأطول في تاريخ الغرب المعاصر.ورغم ذلك، فسيبدأ أعضاء الناتو التسع والعشرين ، في 11 يوليوز/يوليو،  قمة أقرب إلى أن تكون الأكثر توترا في تاريخ المنظمة.

وخلال القمة التي انعقدت العام الماضي، خلفت النبرة العدوانية للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، صدمة وسط دول الحلف الأطلسي، وبالطبع، كان حلفاء أمريكا على علم مسبق بأن ترامب سيكون مزاجيا ومتشددا، لكنهم كانو يتوقعون أن يقوم أعضاء إدارته المتمرسين بتوجيهه. لكن توقعاتهم لم تكن في محلها، وهذا أقل شيئ يمكن قوله.

ولازال  حلف شمال الأطلسي  يتلقى الضربات القوية. فقد فرض ترامب ضرائبا  من جانب واحد على أعضاء الناتو، مبررا ذلك بمشاكل أمنية داخلية لاغير.وأبان ترامب عن عدوانية لم يسبق لها مثيل اتجاه الحلفاء الأكثر قربا من أمريكا،خلال  قمة ج7 التي عقدت الشهر الماضي، حيث هاجم رئيس وزراء كندا، تجاستين ترودو، بدوافع شخصية فضلا عن تراجعه عن البلاغ الأخير ردا على ماعتبره اهانة له

ونظرا لمثل هذه التصرفات، فقد انتقلت التوقعات بشأن تصرفات ترامب في القمة المقبلة من معقدة  إلى خطيرة. حيث ازداد الإحساس بالتشاؤم بسبب الإعلان عن نية  ترامب لقاء  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هيلسينكي، بعد أربعة أيام فقط من انتهاءالقمة. ومن السهل تخيل السيناريو المخيف : يحاول ترامب أن يكشف عن الثغرات في حلف الناتو، بما في ذلك انتقاده لللدفاع المتبادل، قبل خيانة  حلفاءه  عن طريق ترحيبه بترامب

ولكن ليس ضروريا أن تكون القمة حدثا دراميا أو حدثا قد ينجح أو يفشل بالنسبة لحلف شمال الأطلسي كما وصفها البعض، بل يمكنها أن تكون اجتماعا بناء- حتى ولو رفض ترامب التعاون.

ويجب أن تتضمن القمة برنامجا بشأن تأثير انسحاب المملكة المتحدة من أوروبا على التحالف ومعالجة علاقته المتوترة    مع أحد  أعضائه  الأكثرإشكالا، تركيا، التي، من بين أشياء أخرى، انتقدت السياسة الأمريكية في سوريا. كما يتعين على المشاركين أيضا دراسة كيفية ربط  أنشطة الناتو بأمن أوروبا ونظامها الدفاعي الحديث العهد.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

وما لايجب أن يفعله المشاركون في القمة هو السماح بالتركيز فقط على ضرورة إنفاق أعضاء الناتو ل2% من الناتج المحلي الإجمالي  على الدفاع، رغم انه من الصواب أن ترفع الدول من سقف نفقاتها على الدفاع بشكل أكبر. كما لايجب عليهم التركيز على الالتزام المتعلق بالدفاع المتبادل المشار إليه في المادة 5 من ميثاق الناتو، رغم المبدأ الذي يعتبر كل هجوم استهدف عضوا واحدا في الناتو بمثابة هجوم ضد كل أعضاء التحالف البارزين.

وظهرت عدم جدوى هذه المقاربة بشكل واضح العام الماضي، عندما أعدت الأرضية لترامب للتأكيد من جديد علىالتزام إدارته بالدفاع المتبادل. ففي جميع الاحوال، ألقى ترامب كلمة في حدث خصص لتخليد ذكرى هجمات11 سبتمر  الإرهابية في الولايات المتحدة الامريكية، وهو الوقت الذي أشير فيه إلى   المادة 5. وكانت الغاية من هذا الحدث الضغط على ترامب بخصوص الدفاع المتبادل.

ولكن ترامب لم يلتهم الطعم. فرغم إعلانه أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن  الاصدقاء الذين دعموها بعد 11/9، إلا انه  لم يذكر علنا المادة 5 ،فما بالك أن يعتمدها. إن ماقام به ترامب هومهاجمة الناتو من جديد فيما يخص عدم إنفاقها بشكل كاف على الدفاع. وعوض ان يبين  للعالم أن الناتو لازال قويا ومتحدا، أظهره على انه ليس واثقا من قراراته وأنه مقسم. والناتو غير قادر على دفع ثمن هذا الخطأ من جديد.

وا لحقيقة انه رغم اهمية المادة 5 ونسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي التي يجب إنفاقها، فإن قيمة الناتو تتعدى  هذه الامور بكثير.

لنأخذ بعين الاعتبار المادتين 2 و3 من ميثاق الناتو، فنادرا ما يشار إليهما رغم اهميتهما القصوى في تحقيق أهداف الناتو.

وتشجع المادة 2 اعضاء الناتو على التعاون في المجال الاقتصادي وفهم المبادئ التي بنيت عليها مؤسساتهم الحرة بشكل أفضل. والاهم من ذلك تدعو المادة 3 الاعضاء إلى العمل بشكل مشترك من أجل بناء القدرة على الدفاع والمحافظة عليها، ومن تم، تعزبز قدرتها على المقاومة.

وبينما أصبحت المادة 5 مصدرا للسلطة يستعين به ترامب للضغط على الحلفاء للإنفاق أكثر وفي نفس الوقت إرضاء  مؤيدييه، فإن المادتين 2 و3 عمليتان وصريحتان. فهما لا تركزان على التصورات المتعلقة بالحرب، بل على بناء أسس السلام، بما في ذلك التعليم العمومي والعلاقات المؤسساستية التي تحسنت والتنظيم الفعال. تلك هي المجالات التي تحتاج عملا اكثر من الناتو، وخاصة اعضاءها الاوروبيين.

وفي أوروبا نادرا ما تسمع كلمة "دفاع" بدون "أمن". وليس الأمر مجرد صدفة:إن ربط هاتين الفكرتين أمر مقبول لدى الأوروبيين الذين لم يعودوا متحمسين للدفاع عن النفس من جراء الصدمات التي تلقوها عبر التاريخ. لكن مع وجود روسيا دات النزعة الانتقامية في شرقهاو الفوضى بجنوبها، لم تعد أوروبا قادرة على دفع ثمن رفضها بل  يجب عليها تعزيز نظام دفاعها عن النفس مرتكزة على أسس ومستعينة بالمادتين 2 و3.

ولطالما منحت أروبا حق الدفاع عن نفسها بكل حرية، لكن تاريخ صلاحية هذا الحق على وشك الانتهاء. وفي هذه الفترة التي يسودها عدم اليقين، من الأفضل التركيز على السياسات التي قد تنجح أو تفشل الواردة في المادة 5. إلا أن مايحتاجه الناتو فعلا ليس الحصول على المزيد من الدعاية بل بناء قدرتها على المقاومة بشكل منهجي و متكرر وشامل.

ترجمة: نعيمة أبروش

http://prosyn.org/vUDNgfP/ar;

Handpicked to read next

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.