Amanda Edwards/Getty Images

القومية والهجرة والنجاح الاقتصادي

كامبريدج إن احدى التحديات الرئيسة التي تواجهها الاقتصادات المتقدمة في العالم هو النمو البطيء. فخلال العقد الاخير، بلغت معدلات نمو الاقتصاداتالمتقدمة 1.2% مقابل 3,1% خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية.

وقد أثبت التاريخ أن النمو الاقتصادي البطيء قد يجعل المجتمعات أقل كرما وأقل تسامحا وتنوعا. فمن المنطقي، إذا، أن يساهم النمو البطيء الذي شهده العقد الماضي في ارتفاع نسبة القومية  الشعبية بشكل خطير والتي بدأت تضفي بضلالها على عدد من الدول.   

وعلى غرار العقود الأكثر سوادا في القرن العشرين، تأخذ القومية شكل معارضة قوية ضد الهجرة و-بنسبة اقل- ضد التجارة الحرة. والأسوأ من ذلك، ستزيد القومية السامة التي يعيشها العالم اليوم من بطئ الاقتصاد الذي شجع ظهورها.

ويعتمد الخروج من هذه الدائرة الفارغة،   والعمل بطريقة فعالة، حيث يدفع الانفتاح الكبير بعجلة النمو- على الاقل جزئيا على جعل الهجرة ملائمة  للأشكال الشمولية للقومية.

إن الدلائل الاقتصادية بشان هذه المسألة واضحة،إذ  تساهم الهجرة  بنسبة كبيرة في النمو الاقتصادي. كما ان الهجرة أصبحت ضرورية اكثر من أي وقت مضى، لان شيخوخة السكان  وانخفاض معدلات الولادة  في الاقتصادات المتقدمة  تؤدي إلى  ارتفاع عدد المتقاعدين الذي لا يقابله نفس الإرتفاع في فئة الشباب المحليين  العاملين لدعم هذا التقاعد.

فعلى سبيل المثال، بدأ سكان اليابان الذين بلغوا سن العمل بالانخفاض منذ 1995. وفي الاتحاد الاوروبي، شكل المهاجرون نسبة 70 % من نمو اليد العاملة من عام 2000 إلى عام 2010. وفي الولايات المتحدة، تبقى الهجرة العامل الرئيسي وراء استمرار نمو اليد العاملة. ولو اعتمدت الولايات المتحدة على العمال الذين ولدوا في الولايات المتحدة الامريكية لتراجعت اليد العاملة لديها.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

إن النمو السريع شيء إيجابي حتى ولو كان عليه دعم ساكنة كبيرة، لان المهاجرين العاملين يدفعون الضرائب التي بدورها تساهم في دعم المتقاعدين. وعلى العموم، أن ينمو بلد  ما بوتيرة سريعة مع وجود ساكنة حركية وفي تزايد مستمر أفضل من بلد ساكنته تتقلص مثل اليابان.  

وبالإضافة إلى الرفع من اليد العاملة، يساهم المهاجرون في الزيادة من الناتج الوطني الإجمالي للفرد الواحد من خلال الرفع من الإنتاجية- أي، الكمية التي ينتجها كل عامل. وهذا راجع لكون المهاجرين أكثر استعدادا لدخول  عالم المقاولة وبدأ مشاريع تجارية جديدة.

وفي ألمانيا، مثلا، بدأ حاملو جوازات السفر الاجنبية  ما يصل إلى 44% من المشاريع التجارية الجديدة عام 2015. وحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في فرنسا، تفوق نسبة مشاركة المهاجرين في الانشطة التجارية نظراءهم من السكان المحليين بنسبة 29 % ، وهي نسبة توازي المعدل العام بالنسبة للمنظمة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يسحب المهاجرون براءات الاختراع 2 إلى 3 مرات أكثر من المواطنين الاصلين، وتفيد إبداعاتهم السكان غير المهاجرين أيضا.

مما لاشك فيه أن المهاجرين  يزيدون من حجم الأجور: لكن كيف يؤثرون على توزيع هذه الأجور؟ وهنا يبدو الدليل أقل وضوحا. فهناك بالتأكيد رابحون وخاسرون. لكن، بعد مقارنة الآراء المختلفة ، يقترح الدليل الذي بحوزتي أن المهاجرين لا يساهمون في تخفيض أجور السكان المحليين. والواقع انهم يساهمون في الرفع منه.

وأثبتت دراسة أجريت في فرنسا، مثلا، أن كل ارتفاع بنسبة 1% من نصيب المهاجرين في العمل في قسم ما بزيد من راتب العمال المحليين بنسبة 0.5%. ويبدو أنه بالإضافة إلى مساهمتهم في الرفع من انتاجية اليد العاملة، يلعب المهاجرون دور مكمل لمهارات العمال المحليين، وبالتالي، مساعدتهم على ربح المزيد من المال.

 لقد ركزت اهتمامي المهني على الاقتصاد، لذا، كان محور موضوعي هو دور النمو. لكن الواضح في الامر أن هذا ليس العامل الرئيسي وراء ظهور القومية الشعبية. فالدول المتقدمة تتغير ثقافيا وهذا أمر مهم، وربما أكثر أهمية من الهجرة, ففي الولايات المتحدة مثلا، ارتفعت نسبة الساكنة التي كان مسقط رأسها خارج البلاد من  5 % عام 1960 إلى% 14 في الوقت الراهن. وكما أشار إلى ذلك ياشا مونك من جامعة هافارد في كنابه المعمق الناس مقابل الديمقراطية، كانت تلك أعلى نسبة منذ الحركة الأخيرة المناهضة للمهاجرين  في الولايات المتحدة الامريكية: "الخطر الأصفر" الذي شهدته  الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين.

وعرفت الدول المتقدمة الأخرى ارتفاعا مماثلا، بل أكثر من ذلك احيانا. ففي السويد مثلا، ارتفعت نسبة السكان الذين ولدوا خارج البلد من 4% عام 1960 إلى 19%  في الوقت الراهن، لتمثل بذلك تحولا أكبر من ذلك الذي شهدته الولايات  المتحدة الامريكية.

وهناك خيار واحد امام جميع الدول عندما يتعلق الامر بالهجرة. فهي إما ان تدفع ثمنا اقتصاديا لتتبع منهجية الإقصاء، أو أن تحصل على أرباح اقتصادية بفضل الانفتاح الكبير. ورغم أن السياسات العامة قد تساعد على ضمان تحقيق المصالح من الانفتاح، يجب أن لا نغفل كونها محدودة على المستويين السياسي والاقتصادي.

وإذا نظرنا  إلى ما هو أبعد من الحلول السياسية، فعلينا أن نفكر في الجانب الثقافي ونتوقع أن المهاجرين لن يجلبوا معهم وجهات نظر مختلفة فقط بل سيدخلون بلدهم الجديد بصفتهم مواطنين. وهذا يعني التحدث باللغة وتشريف التقاليد الوطنية، و- كما رأيت بنفسي خلال مناقشة هذه القضايا في منتدى اللقاءات الاقتصادية في إيكس اون بروفانس، في فرنسا، فهم يشجعون  منتخب كرة القدم الوطني أيضا.

وتلك هي الرؤية التي يجب علينا السعي وراءها بخصوص الهجرة والوطنية الشاملة –بما في ذلك تطوير فريق كرة القدم.، خاصة في بلد مثل الولايات المتحدة.

ترجمة نعيمة أبروش

http://prosyn.org/q016ktZ/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.