United States Supreme Court Hisham Ibrahim/Getty Images

السيادة التي تهم حقا

مدريد - في كتابه الشهير "المثلث السياسي للاقتصاد العالمي"، يؤكد  داني رودريك الخبير الاقتصادي من جامعة هارفارد أن التكامل الاقتصادي العالمي، والدولة القومية، والديمقراطية لا يمكنها التعايش. في أحسن الأحوال، يمكننا الجمع بين اثنين من الثلاثة، ولكن دائما على حساب واحدة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

وحتى وقت قريب، أثر ما يسمى بتوافق واشنطن، بتركيزه على الليبرالية، وإلغاء الضوابط التنظيمية، والخصخصة، على السياسة الاقتصادية العالمية. وفي حين أضعفت الأزمة المالية العالمية في عام 2008  مصداقية هذه السياسة الليبرالية، فإن بلدان المجموعة 20 وافقت بسرعة على تجنب السياسات الحمائية التي واجهها  توافق واشنطن.

وفي الوقت نفسه، ظل الاتحاد الأوروبي (ولا يزال) التجربة الديمقراطية الوحيدة العابرة للحدود الوطنية، فخورا بتطوراته الواعدة، على الرغم من أنه مثقل بعدة عيوب. وبعبارة أخرى، فإن التكامل الاقتصادي، الذي يرتكز على الدولة القومية لا يزال ملائما على الصعيد العالمي، في حين كانت الديمقراطية ثانوية بالنسبة لديناميات السوق الدولية.

ولكن سنة 2016 شكلت نقطة تحول مهمة، على الرغم من أننا ما زلنا لا نعرف اتجاه هذا التحول. وقد ظهر "توافق بكين"، الذي يعتبره البعض نموذجا بديلا للتنمية ويقوم على تدخل حكومي أكبر. ولكن التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا كان يعكس هذه الخطوة نحو تعزيز التوازن الراسخ بين العولمة والدولة القومية والديمقراطية.

كان شعار الفائزين في البريكسيت "دعونا نعيد السيطرة" يعبر عن الشعور الذي يناسب بوضوح الأغلبية الضئيلة من الناخبين البريطانيين الذين أيدوا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، فإن العديد من ناخبي ترامب مقتنعين بأنه على القوى المتراكمة من وول ستريت، والفاعلين العالميين، وحتى البلدان الأخرى الاقتناع بفكرة "جعل أمريكا عظيمة من جديد".

ولن يكون من الحكمة أن نرفض هذا التشخيص، الذي يؤيده رودريك نفسه (على الأقل جزئيا)، لمجرد أن المرء يكره المقترحات التي طرحها ترامب وبعض المناصرين المحافظين لبريكست. إن نهجهم يتمثل في عرقلة العولمة - مع الحفاظ على جوانب أخرى من توافق واشنطن، أو حتى تعزيزها، مثل إلغاء القيود المالية - وتعزيز الديمقراطية من خلال الدولة القومية.

وفي أول ظهور له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى ترامب خطابا دام 42 دقيقة استخدم فيه عبارة "السيادة" 21 مرة، أي بمعدل مرة كل دقيقتين. وفي أوروبا، ليست المملكة المتحدة البلد الوحيد الذي سيؤثر فيه تيار الدولة القومية الجديد: توجد بولندا والمجر تحت سيطرتها أيضا. وحتى الحركة الكتالونية المؤيدة للاستقلال، التي تتزعمها أحزاب مختلفة، ومعظمها غير راض عن تصنيفها "كمناهضة للعولمة"، تتبع منطقا مماثلا للتراجع نحو القومية.

وجميع هذه القوى تبالغ في تقدير قدرتها على التخفيف من، أو التغاضي عن، التكامل الاقتصادي القائم الذي عززه في العقود الأخيرة التطور الاقتصادي السريع العابر للحدود. وما لم تتراجع هذه القوى عن مسارها، فإنها ستكون أكثر عرضة لتخفيف التأثير الذي يمكن أن تمارسه دولها القومية على العولمة (أو الدول التي تسعى إلى إنشائها). وباختصار، فإن زيادة السيادة الرسمية يمكن أن تؤدي إلى فقدان السيادة الفعالة، وهو النوع الذي يهم حقا.

لننظر إلى بريطانيا: بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، فقد البريطانيون أي دور أو رأي حول أهم سوق للتصدير بالنسبة لهم. أما بخصوص كاتالونيا، فإن الحركة المفترضة المؤيدة للاستقلال والمؤيدة للسيادة يمكن أن ينتهي بها المطاف إلى خلق نظام حكم أقل سيادة و تحت رحمة الأحداث الدولية.

بعد أسبوع واحد من خطاب ترامب في الأمم المتحدة، عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤيته لمستقبل أوروبا في خطابه في السوربون. وذكر ماكرون كلمة "سيادية" مرارا وتكرارا، مما يبين بوضوح أنها تشكل أساس رؤيته لأوروبا. ولكن، على عكس الشعبويين، يحبذ سيادة فعالة وشاملة، أوروبية الآفاق، وتدعمها ركيزتان رئيسيتان هما الوحدة والديمقراطية.

فالعلاقات بين الدول يقودها التعاون والمنافسة والمواجهة في آن واحد. ولا شك أن درجة معينة من المواجهة ستكون دائما قائمة على الصعيد الدولي. لكن الاتحاد الأوروبي أظهر بوضوح أنه يمكن الحد من انتشاره من خلال زيادة كبيرة في تكلفة الفرصة البديلة للديناميات المتنافرة. وللأسف، فإن الحركات التي تفهم السيادة بمصطلحات الانفرادية تعود عادة إلى القومية المتطرفة التي لا تساهم في تعزيز المساحات المشتركة التي تسمح للمجتمع الدولي بالازدهار.

ويُعد تفضيل بعض البلدان لعزل نفسها داخل حدودها مفارقة تاريخية وهزيمة ذاتية، ولكنه سيكون خطأ جسيما بالنسبة للآخرين، خوفا من العدوى، والاستجابة بتجنب المشاركة مع هذه الدول. كما ينبغي لروح التعاون، إلى جانب المنافسة البناءة، تقوية العلاقات بين جميع الأطراف الفاعلة التي تمتلك الشرعية الدولية. حتى في الدول التي استسلمت للخطابات الشعبوية، فإن الكثير من السكان لم يقبلوا ذلك. هذا هو الحال بالنسبة ل 48٪ من الناخبين البريطانيين الذين عارضوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو 49٪ من الأتراك الذين صوتوا "لا" لتوسيع صلاحيات الرئاسة التركية، رافضين ضمنيا استخدام الاتحاد الأوروبي ككبش فداء. ومن المؤكد أن العديد من هؤلاء الناخبين سيشعرون بخيبة أمل إذا قام الاتحاد الأوروبي بإدارة ظهره لهم.

وتعتمد حيوية المجتمع الدولي على الحوار.  لتجنب إدامة أوجه القصور في توافق  واشنطن، التي تم الكشف عنها بكل الوضوح في عام 2016، يجب أن يتم الحوار في إطار مجال عام مشترك وديمقراطي. وبتطوير هذا المجال العام المشترك، والحد من سيادة الدولة القومية، يمكننا أن نتقدم تدريجيا نحو الجانب الأقل استكشافا للثلاثية التي وصفها رودريك: الديمقراطية العالمية.

وبطبيعة الحال، فإن الديمقراطية العالمية ستكون صعبة  التحقيق (رودريك نفسه يؤكد هذا). ولكن، بفضل التطور التكنولوجي وتضاعف التفاعلات الاقتصادية والثقافية، فإنه ليس بوهم تحقيقها. وبهذا المعنى، وضع الاتحاد الأوروبي بالفعل طريقا جديدا، يهدف إلى توسيع الديمقراطية خارج نطاق الدولة القومية. وبالنسبة لأوروبا، والمناطق الأخرى، فإنه مسار يستحق كل الاهتمام.

http://prosyn.org/6yC4EqX/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now