5

درسان للرئيس الأمريكي القادم

ناغازاكي- عندما نظرت من نافذتي للميناء في مدينة ناغازاكي الرائعة في اليابان تبادرت لذهني فكرتان ترتبطان بشكل وثيق بالرئيس الأمريكي القادم .

لقد تحملت ناغازاكي أسوأ شرور البشرية ففي أغسطس من سنة 1945 دمرت قنبلة بلوتونيوم المدينة مسببة أضرارا مادية جسيمة ومعاناة إنسانية لا توصف ولكن منذ ذلك الوقت أصبحت المدينة تمثل أفضل الإنجازات البشرية حيث نهضت من الإنقاض بفضل روح وجرأة اليابانيين واليابانيات والذين تاجروا بالأشياء التي بنوها- على سبيل المثال في أحواض سفن متسوبيشي- مع بقية العالم .

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

لكن ناغازاكي – واليابان بشكل عام- لم تكن دائما مفتوحة للعالم قبل أن تعبر المحيط للتواصل مع جاراتها القريبات مثل الصين وحلفياتها البعيدات مثل الولايات المتحدة الأمريكية فلقرون عديدة كانت العقول اليابانية والحدود اليابانية مغلقة بشكل واضح.

يوجد على أحد تلال ناغازاكي تذكير صارخ بهذه العقلية الراديكالية المنغلقة فهناك نصب تذكاري لإحياء ذكرى إستشهاد 26 كاثوليكي والذين تم صلبهم في نهاية القرن السادس عشر كجزء من الجهود للقضاء على نمو المسيحية باليابان . يقوم المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي بعمل فيلم عن تلك الإحداث وذلك بناء على رواية شوساكو إيندو "الصمت ".

لقد جاء إعتناق اليابان للحداثة بعد قرون من تلك الإحداث وذلك في آواخر عقد 1860 من خلال إصلاح ميجي الذي إستمر لعقود عديدة وعوضا عن خسارة ثقافتها وتقاليدها تمكنت اليابان من مزج الإثنين معا أي التقدم للإمام بدون نسيان الماضي وهذا التوازن ينعكس في العمارة اليابانية وهي مغرقة في الحداثة والتقاليد في آن واحد .

إذن ما علاقة ذلك كله بالإنتخابات الإمريكية؟ أولا ، الولايات المتحدة الأمريكية مثل بعض أجزاء أوروبا تعيش في خطر الدخول في نفس الفترة من العقول والحدود المغلقة وبينما من المرجح أن تهزم هيلاري كلينتون الأكثر إعتدالا دونالد ترامب الإنعزالي بشكل متهور ،إلا أن ردة الفعل الرجعية ضد الإنقتاح والتي ساهمت في صعود ترامب لن تتبخر لوحدها.

بالطبع يتوجب على الرئيسة كلينتون مع صناع السياسة الآخرين التركيز على الدور القيادي الذي لعبه التنوع في الدفع بإمريكا نحو النجاح فتوفير الملاذ لأناس من جميع أرجاء العالم في مكان يخضع جميع الناس فيه لنفس القواعد والأحكام كان من المصادر الرئيسية لقوة أمريكا لمعظم تاريخها حيث تتجلى هذه الفكرة في ختم البلاد : ( واحد من بين الكل ).

لكن يتوجب على كلينتون التعامل مع بعض المظالم الحقيقية التي أشعلت ردة الفعل الرجعية ضد الإنفتاح الإقتصادي . إن عمل برنامج للبنية التحتية يخلق أعدادا ضخمة من الوظائف المنتجة بالإضافة إلى توزيع الثروة سيشكل بداية طيبة علما أنه سيكون أسهل بكثير تحقيق ذلك لو فاز حزبها الديمقراطي بمجلس الشيوخ كذلك وبتبني تلك المقاربة تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية إستعادة سمعتها "كأرض الفرص" والتي كانت مهمة للغاية للقوة الناعمة الأمريكية في الماضي.

وبينما تعمل كلينتون على رأب الصدع في الوطن ، سيتوجب عليها عمل الكثير في الخارج وهنا يكمن الدرس الثاني من تاريخ ناغازاكي : التهديد الكبير الذي تشكله الأسلحة النووية .

اليوم فإن كوريا الشمالية هي أكثر دولة تجسد مثل هذا التهديد فالنظام المتقلب لذلك البلد الذي يقوده  شخص من أكثر الجانحين الأحداث قوة على مستوى العالم كيم يونغ أون لا يمتلك أسلحة نووية فحسب ، بل أيضا يعمل على تطوير قدرات بعيدة المدى للصواريخ ولقد أظهرت الإختبارات التي جرت مؤخرا للإسلحة النووية والصواريخ بعيدة المدى-بما في ذلك أقوى إختبار نووي على الإطلاق في تاريخ البلاد جرى في الشهر الماضي- كيف أن هذا البلد المنعزل قد أصبح قريبا جدا من تحقيق أهدافه.

حتى لو تبنت كلينتون مقاربة منضبطة ومقيدة لإستخدام القوة في النزاعات الدولية كما فعل الرئيس باراك أوباما خلال السنوات الثماني الماضية فإنها لن تستطيع الإكتفاء بالمشاهدة لو أصبحت لكوريا الشمالية القدرة على شن هجمات نووية بعيدة المدى فعلى أمريكا حماية حليفاتها الآسيويات (ناهيك عن مواطنيها لو إستطاعت كوريا الشمالية مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها).

لكن من المؤكد أن التصرف الأحادي لن يكون الخيار الأفضل حيث من الأفضل بكثير إقناع الصين بالتدخل لإخضاع نظام كيم وهذا سيتطلب دبلوماسية ماهرة .

إن المسؤولين الصينيين ما زالوا يصرون على أنه ليس بإستطاعاتهم التحكم بكوريا الشمالية وهذا يمكن أن يكون صحيحا إلى حد ما ولكن من الواضح أنه لا يوجد أحد يمتلك مثل هذا النفوذ الكبير الذي يمتلكه زعماء الحزب الشيوعي الصيني في بيونغيانغ  ومن الممكن جدا أنه خلف الأبواب المغلقة قد بدأ الصينيون بالفعل إختبار قدرتهم على التلاعب ببعض من الشخصيات الغامضة حول كيم والذين يبدو على نحو متزايد أنه مصاب بجنون الشك والإرتياب من محاولة وقوع إنقلاب ضده.

Fake news or real views Learn More

لكن من غير المحتمل أن توافق الصين على المزيد من التدخل المباشر في كوريا الشمالية بدون بعض المقايضة فربما يمكن لإمريكا مع حليفاتها الآسيويات إجراء تغيير بسيط في مقاربتها المتعلقة بمطالبات الصين الإقليمية غير القانونية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وهذا الإقتراح بالطبع لن يحظى بالشعبية وخاصة بين جارات الصين ولكن ربما يكون ذلك الإقتراح ضروريا من أجل القضاء على التهديد النووي لكوريا الشمالية فنزع فتيل الطموحات النووية لكوريا الشمالية يستحق مثل تلك التضحية.

عندما ننظر للعالم من منظور ناغازاكي ، تصبح الحاجة للمحافظة على التعددية والإنفتاح مع إحراز تقدم في التركيز الإستراتيجي الأمريكي على آسيا أكثر وضوحا بشكل صارخ. إن هذا المنظور هو المنظور الذي يجب أن يتبناه الرئيس الأمريكي القادم.