A Rohingya woman Anadolu Agency/Getty Images

هل يكون جنوب آسيا الشرق الأوسط الجديد؟

باريس ــ غالبا ما ينظر إلى الشرق الأوسط على أنه إقليم مكبل بمشاعر الذل الجماعي والصراعات العنيفة، سواء بين دوله أو داخلها. أما جنوب آسيا فمحاصر هو الآخر ببعض هذه القوى ذاتها، كما تجلى في تفجر موجة من القومية البوذية في ميانمار، حيث يُطرد مسلمو الروهينجا من البلاد، وكذلك في القومية الهندوسية في الهند، تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لكن ما يدعو للطمأنينة إلى حد ما بالنسبة لجنوب آسيا أن صيرورته إلى مستقبل "شرق أوسطي" ليست أمرا حتميا، وإن كانت الاحتمالية في حد ذاتها تشير إلى الوضع المحموم الذي يفرزه تيار القومية المتصاعد عبر الإقليم، وهي قومية غالبا ما تصاغ في قوالب دينية، وبدا الأمر وكأن الأصولية الإسلامية المتنامية باتت الآن تشجع بروز أصوليات الأديان الأخرى.

ويعد وضع الروهينجا على الأخص مخيفا. فمنذ أغسطس/آب والجيش منغمس في حملة وحشية تستهدف المدنيين، رغم الادعاء ظاهرا بأنها تركز على مسلحي الروهينجا، وتحرق قرى بأكملها، مما أجبر مئات الآلاف على النزوح إلى بنجلاديش المجاورة.

لكن رغم كون حملة القمع الأخيرة مدمرة ــ إذ أنها "مثال دقيق للتطهير العرقي" بحسب وصف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ــ فإن اضطهاد الروهينجا ليس بجديد. فمنذ الاستقلال عام 1948، حرمت الحكومات المتعاقبة الروهينجا حتى من أبسط الحقوق، بل إنها رفضت منحهم الجنسية.

ومع إدانة المجتمع الدولي لحملة القمع، التزمت زعيمة ميانمار الفعلية أونج سان سو تشي الصمت إلى حد كبير، وهو موقف أضر بصورتها المثالية القديمة كمناصرة شجاعة للديمقراطية وحقوق الإنسان أيما ضرر. وحتى عندما تناولت القضية أخيرا ــ خلال مؤتمر صحفي باللغة الإنجليزية عُقد بعد أسابيع من العنف ــ تحاشت ذكر الروهينجا تحديدا.

وقد أُرجع رد سو تشي المثير للجدال إلى حساباتها السياسية بشأن كيفية التعامل مع جيش ميانمار الذي كان يحكم البلاد حتى العام الماضي، ولا يزال دوره يتجاوز السيطرة المدنية حتى الآن. لكن بغض النظر عن كون ردها لا يليق بفائزة بجائزة نوبل للسلام، فربما يعكس هذا الرد أيضا في الحقيقة شعورا باللامبالاة تجاه مصير أقلية صغيرة، إذ لا تتجاوز نسبة المسلمين 4% من سكان ميانمار، وبالتالي ليس لمصالحهم وزن يذكر في تقديرها كقائدة أرستقراطية لبورما.

إن ما بدأ كمأساة محلية قد استحال الآن إلى أزمة دولية ــ وليس هذا بسبب تدفق اللاجئين إلى بنجلاديش ودول أخرى فحسب. فكما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط، تتشابك الهويات القومية والدينية في جنوب آسيا بصورة معقدة. ففي تايلاند مثلا، نجد أن غالبية سكان الدولة بوذيون، تماما مثل ميانمار، وغالبية السكان في ماليزيا وإندونيسيا مسلمون، وفي الهند الغالبية هندوس، أما باكستان في حد ذاتها، فقد أُنشئت لتكون وطنا للأقلية المسلمة في الإمبراطورية البريطانية السابقة في الهند بعد الاستقلال.

ربما كان حصول الأقليات الدينية في منطقة جنوب آسيا على الأمن أمرا صعبا، خاصة بسبب الإرث الإمبريالي الذي خلفته كل من بريطانيا وهولندا. فقد استغلت الإمبراطورية البريطانية في الهند الأقليات لمساعدتها في فرض حكمها الاستعماري، بتقديم الوعود بتوفير حياة أفضل لهؤلاء الذين يكابدون التمييز. لكن عندما عاد البريطانيون إلى وطنهم، ظهرت ممارسات التمييز مجددا ــ أحيانا كان يصاحبها حماسة واندفاع أكبر في ظل الاستياء من تعاون الأقليات مع الحكم الاستعماري.

وكان هذا التمييز هو ما حدا بطائفة من شباب الروهينجا لاختيار طريق العنف، كما حدث في هجمات أغسطس/آب التي استهدفت نقاطا أمنية وأقساما للشرطة. وربما كان من حرض هؤلاء المسلحين على ذلك رجال دين أصوليون مسلمون من الشرق الأوسط، أو حتى متعصبون من بني جلدتهم. على أية حال، فإن الهدف الأساسي لهؤلاء المسلحين الانتقام من النظام والأشخاص المسؤولين عن قمعهم وظلمهم.

تنامى التطرف داخل مجتمع المسلمين في ميانمار جنبا إلى جنب مع نمو التطرف الديني بين الأغلبية البوذية. فرغم دعوة بوذا إلى السلام والتسامح، يحرض بعض الرهبان البوذيين اليوم على الكراهية والعنف.

في الحقيقة أنه حتى قبل تفجر الأحداث الأخيرة، لم تلق سلسلة المذابح السابقة سوى اللامبالاة من جانب المجتمع الدولي. وكما ظهر من الأهوال التي ارتكبت بحق مسلمي البوسنة خلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، تكشف حملة الاعتداءات ضد الروهينجا حقيقة أن تعاطف الغرب مسألة انتقائية.

كان نتاج ذلك دائرة مفرغة من التطرف والعنف. فنجد منظمات إرهابية مثل الدولة الإسلامية، بعد هزيمتها على الأرض في سوريا والعراق، تأمل الآن بلا شك في استخدام محنة الروهينجا لتعبئة وحشد المسلمين، خاصة في آسيا، لخدمة أغراضها الخاصة.

ومع تصاعد التوترات الدينية، بات التعاون الإقليمي مهددا بالأخطار. فكيف يمكن لمنظمة مثل الآسيان، التي شجعت على تحقيق تقدم تدريجي في مجالي الأمن والتعاون الاقتصادي، أن تصمد في ظل القتل والتشريد الذي تواجهه الأقليات الدينية في دولها الأعضاء؟

إن كان لنا أن نتحاشى كارثة جيوستراتيجية، فلابد من كسر التحالف غير المقدس بين الدين والقومية. وينبغي للأمم المتحدة أن يكون لها قصب السبق في هذا الأمر بالالتزام بإنهاء أزمة الروهينجا. وسيساعد أي تدخل ناجح على ترميم الصورة المشوهة للمؤسسات متعددة الأطراف، ناهيك عن كونه واجبا أخلاقيا. إن العالم ليس بحاجة لإقليم آخر مفتت سياسيا غارق في وحل النزاعات العنيفة.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/XrDzPBl/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now