طبيعة الاتهامات القادمة

واشنطن، العاصمة ــ عندما تناقلت وكالات الأنباء في الأسبوع الماضي الأخبار حول وثائق بعينها طلبها شخصيا روبرت مولر، المستشار الخاص الذي يتولى رئاسة التحقيق الفيدرالي في الدور الذي لعبته روسيا في انتخابات عام 2016 وما إذا كانت حملة دونالد ترمب تواطأت مع الكرملين، ارتعدت فرائص البيت الأبيض الذي يقطنه ترمب والذي كان عصبي المزاج بالفعل. تغطي الوثائق التي يُنتَظَر تسليمها بعض الأحداث المألوفة التي ربما تؤدي إلى اتهام ترمب بعرقلة سير العدالة، أو ربما تُظهِر أن حملته الانتخابية كانت، في أقل تقدير، مهتمة باللعب مع الروس.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

الواقع أن هذا الاتهام المحتمل، أو ربما حتى المرجح، سوف يكون مسوغا بفِعل الجهود العديدة التي يبذلها ترمب لعرقلة التحقيق. وبشكل خاص، طلب ترمب من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي أن يتحلى باللين والاعتدال في تحقيقاته في سلوك الجنرال المتقاعد مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق الذي أقاله ترمب على مضض، ظاهريا لأنه كذب على نائب الرئيس مايك بِنس بشأن طبيعة مكالمات هاتفية دارت بعد الانتخابات مع السفير الروسي.

وقد طمأن بِنس بعد ذلك البلاد مصرحا بأن فلين والسفير الروسي تبادلا ببساطة أحاديث خفيفة، مثل تهاني عيد الميلاد. والواقع أنهما ناقشا إمكانية قيام ترمب برفع العقوبات التي فرضها الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما على روسيا عقابا لها على تدخلها في الانتخابات. ومن المؤكد أن مولر يريد أن يعرف ما إذا كان ترمب على عِلم بمحادثات فلين أو وافق عليها.

كما طلب ترمب من مسؤولين كبار في أجهزة الاستخبارات الأميركية أن يحاولوا إقناع كومي بالتساهل مع فلين. ومن الأمور الغامضة هنا لماذا كان ترمب حريصا إلى هذا الحد على حماية فلين. فهل يحمل فلين معلومات ربما تثير الشبهات حول الرئيس أو تعرضه للخطر؟

ثم هناك القرار الذي اتخذه ترمب بإقالة كومي في مايو/أيار، وما أعقب ذلك من تصريحات مضللة من مساعدي البيت الأبيض حول سبب إقالته. لكن ترمب ثرثر بعد ذلك دون تفكير في مقابلة تلفزيونية قائلا إنه عندما قرر إقالة كومي كان في ذهنه آنئذ "مسألة روسيا هذه". وفي اليوم التالي، في اجتماع في المكتب البيضاوي، أخبر ترمب مسؤولين روس كبار بأن إقالة كومي خففت عنه "ضغوطا كبيرة".

من المؤكد أنها ليست فكرة جيدة أن يقيل الرئيس محققه الخاص، كما تعلم ريتشارد نيكسون أثناء فضيحة ووترجيت. فبسبب إقالة كومي، تورط ترمب مع مولر، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق في الإدارات الديمقراطية والجمهورية، والذي أشاد به الساسة في الحزبين بسبب استقامته.

الواقع أن ترمب مجرد واحد من الأشخاص المعرضين لخطر توجيه اتهامات جنائية إليهم نتيجة للتحقيقات التي يديرها مولر. كما يركز مولر على أشخاص آخرين، ومنهم رئيس حملة ترمب السابق بول مانافورت، وجاريد كوشنر صِهر ترمب. يحتل كل من كوشنر وزوجته إيفانكا ترمب (التي يُقال إنها طِفلة الرئيس المفضلة)، مكتبا في البيت الأبيض، ويتولى كوشنر مجموعة واسعة إلى حد السخف من القضايا، من حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى إعادة تنظيم الحكومة الفيدرالية.

وقد استأجر مولر خبراء في الجرائم المالية ــ وهو تطور مشؤوم بالنسبة لأهداف أخرى لأصابع الاتهام. ففي حين يحقق مولر في أنشطة كوشنر أثناء الحملة الانتخابية، من المفهوم أيضا أنه يلقي نظرة فاحصة على أعمال كوشنر الهائلة في القطاع العقاري. فقبل بضع سنوات، اشترى كوشنر ووالده البناية الأغلى ثمنا في مدينة نيويورك والتي تحمل الرقم 666 في فيفث آفينو، الأمر الذي جعلهما مثقلين بالديون وعاجزين عن تمويل الرهن العقاري. وكان حرص جاريد كوشنر على تأمين المبالغ الضخمة المطلوبة للبقاء طافيا سببا في دفعه إلى البحث عن مقرضين أجانب، بما في ذلك مصرفي روسي مقرب من فلاديمير بوتن.

من المعروف أيضا أن مولر يمارس الضغوط على مانافورت، عضو جماعات الضغط والمستشار السياسي الذي لا يخلو تاريخه من مساعدة حكام مستبدين. وكان أحد أسوأ زبائنه سمعة فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا والذي سارع بمجرد فوزه برئاسة أوكرانيا إلى سجن منافسته الرئيسية، رئيسة الوزراء السابقة، بتهم ملفقة. كما يدرس فريق مولر بعناية معاملات مانافورت التجارية ــ مشاريع في مختلف أنحاء العالَم، وديون، وأرصدة مخبأة في ملاذات ضريبية أجنبية، فضلا عن الاشتباه في غسل الأموال، وغير ذلك الكثير.

وللضغط على مانافورت، شن مولر غارة قبل الفجر على منزله في شمال ولاية فيرجينيا، وأخبره أنه سيوجه إليه الاتهام ــ لحمله على الإدلاء بمعلومات عن ترمب. وعلى الرغم من إبعاد مانافورت عن حملة ترمب في أغسطس/آب الماضي، في أعقاب نشر أخبار محرجة عن عمله في أوكرانيا، استمر ترمب، في مخالفة صريحة لنصيحة مساعديه، في التواصل مع مانافورت حتى الأشهر الأولى من رئاسته. كما كُشِف مؤخرا أن مانافورت، في عام 2016 عندما كان لا يزال رئيسا للحملة الانتخابية، عَرَض قيامه بإدارة جلسات إحاطة لمجموعة من أنصار حكم القِلة الروس حول الحملة الرئاسية. ومن المعروف أن رؤساء الحملات الانتخابية تحيط بهم عادة مشاغل أكبر من أن تسمح لهم بتولي مثل هذه المهمة.

من الواضح أن مولر يحاول تضييق الخناق على كل من فلين ومانافورت. ولم يسلم ابن الرئيس، دونالد ترمب الابن من خطر فضيحة جسيمة. ويولي مولر أهمية خاصة لاجتماع عُقِد في برج ترمب في يونيو/حزيران 2016، بين كبار المسؤولين في حملة ترمب ومحام روسي تربطه علاقات وثيقة بالكرملين، والذي عَرَض على دونالد الابن تشويه سمعة هيلاري كلينتون، وهو الاحتمال الذي أثار حماس ابن المرشح. (كتب دونالد الابن ردا على البريد الإلكتروني: "أحب هذا").

في مستهل الأمر، وَصَف دونالد الابن الاجتماع بأنه كان مناقشة حول تبني أطفال روس من قِبَل آباء أميركيين (والذي حظره الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في عام 2012). الواقع أن المناقشة دارت حول العقوبات وغير ذلك من الأمور التي تهم روسيا. ورغم أن كوشنر ودونالد الابن صرحا بأن الاجتماع لم يُفض إلى شيء، فلم يَثبُت ذلك. ومولر مهتم أيضا بدور ترمب، أثناء عودته من أوروبا على متن الطائرة الرئاسية، في صياغة البيان الذي ضلل عامة الناس مرة أخرى بشأن الأمور التي نوقشت في اجتماع برج ترمب مع الروس.

على مدار أكثر من عام، كان ترمب حريصا على تأكيد عدم ارتباطه بأي مصالح تجارية في روسيا وعدم حصوله على أي قروض منها. ولكن تساهله الشديد في التعامل مع بوتن يظل محيرا. فمؤخرا، جرى الكشف عن محاولة من قِبَل شركة يملكها ترمب لبناء برج ترمب هائل في موسكو، وهو الجهد الذي استمر حتى بعد ترشحه للرئاسة، قبل أن يتخلى عنه بسبب نقص التصاريح والأرض.

الواقع أن الاهتمام المكرس لتحقيق مولر في مسألة روسيا في واشنطن العاصمة يتضاءل ويتعاظم متأرجحا. ولكن التحقيق لن يتوقف قبل أن يشعر مولر بالارتياح إلى أنه يعرف كل ما يحتاج إل معرفته.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/VeVzVua/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now