4

هل ينبغي للصين أن تخفض ديونها؟

بكين ــ في الآونة الأخيرة، أصبحت مشكلة الديون المتراكمة في الصين في دائرة الضوء عندما خفضت وكالة موديز تصنيف ديون البلاد السيادية. ولكن هل كان ذلك التخفيض مبررا حقا؟

corporate debt to gdp china us

على الرغم من إن إجمالي نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين ليست شاذة بين اقتصادات الأسواق الناشئة، ورغم اعتدال مستويات ديون الأسر والحكومة، فإن نسبة ديون الشركات إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي بلغت 170%، هي الأعلى في العالَم، وهي تعادل ضعف النسبة في الولايات المتحدة. كما تُعَد نسبة استدانة الشركات (نسبة الديون إلى الأسهم) في الصين مرتفعة للغاية، وتواصل الارتفاع.

الواقع أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي المرتفعة والمتزايدة الارتفاع، والتي تسير جنبا إلى جنب مع ارتفاع نسبة الاستدانة، من الممكن أن تؤدي إلى أزمة مالية من خلال ثلاث قنوات. الأولى تتمثل في تدهور جودة أصول المؤسسات المالية وانحدار أسعار هذه الأصول. ومع اضطرار المؤسسات بفِعل المحاسبة على أساس السوق إلى شطب كمية مساوية من حقوق المساهمين، ترتفع نسبة الاستدانة، على النحو الذي يؤدي إل المزيد من تدهور جودة الأصول وانخفاض أسعارها.

أما القناة الثانية فتتمثل في رفض المستثمرين، الذين يشعرون بالقلق إزاء ارتفاع نسبة الاستدانة، ترحيل الديون القصيرة الأمد. وهذا من شأنه أن يجعل السوق المالية تتوقف، ويضطر البنوك وغيرها من المؤسسات المالية إلى إحكام شروط الائتمان ورفع أسعار الفائدة، مما يزيد بالتالي من ضَعف قدرة المقترضين على سداد أقساط الديون. وتتكاثر حالات العجز عن السداد ويزداد حجم القروض المتعثرة.

تتلخص الطريقة الثالثة التي قد تجعل ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تؤدي إلى الأزمة في دفع البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية، غير القادرة على تأمين القدر الكافي من رؤوس الأموال، إلى الإفلاس. وفي هذه الحالة، ربما يتملك الذعر من عامة الناس فيسحبون أموالهم، ويُفضي هذا إلى التكالب على سحب الودائع على النحو الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام المالي بالكامل.

ولكن لا يبدو أن أياً من هذه السيناريوهات يشكل خطرا حقيقيا بالنسبة للصين، على الأقل ليس في المستقبل المنظور. ذلك أن الصين دولة مقتصدة وحريصة للغاية، حيث يعادل مجموع المدخرات الكلية نحو 48% من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لهذا، فإن الأموال القابلة للإقراض وفيرة، ومن الممكن الإبقاء على تكاليف التمويل منخفضة. وبالتالي فإن الصين لديها مجال أوسع من دول أخرى للإبقاء على نسبة عالية من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

فضلا عن ذلك، ولأن ديون الصين تتألف أغلبيتها الساحقة من قروض مقدمة من بنوك مملوكة للدولة إلى شركات مملوكة للدولة، يشعر المودعون والمستثمرون بالثقة (سواء عن حق أو خطأ) لأن أصولهم تحمل ضمانة حكومية ضمنية. والأمر ليس أن موقف الحكومة المالي قوي فحسب؛ فهي تملك أيضا ما يعادل 3 تريليون دولار أميركي في هيئة احتياطيات من النقد الأجنبي ــ وهو مبلغ يتجاوز كثيرا ديون الصين الخارجية. وبوسع الحكومة الصينية، إذا اختارت ذلك، أن تنقذ البنوك المتعثرة، وتمنع انتشار عدوى الإفلاس.

وللمزيد من تخفيف مخاطر الدين، يظل حساب رأس المال الصيني مغلقا إلى حد كبير، مما يمكن الحكومة من منع هروب رؤوس الأموال وكسب الوقت الكافي للتعامل مع الأحداث المالية غير المتوقعة. ومن المفيد أيضا أن بنك الشعب الصيني مستعد لضخ السيولة إلى أسواق المال كلما دعت الضرورة.

لا شيء من هذا يعني أن ارتفاع مستوى ديون الشركات في الصين ليس مدعاة للقلق. ولكنه يعني ضمنا أن خفض الديون قد لا يكون ضرورة ملحة كما يتصور كثيرون، وخاصة في وقت حيث تتعامل الصين مع حتمية سياسية أكثر إلحاحا ــ والتي قد يقوضها الخفض السريع للديون.

لسنوات كانت الصين واقعة تحت وطأة الانكماش المدفوع بالقدرة الفائضة. فقد انخفض مؤشر أسعار المنتجين على أساس سنوي طوال 54 شهرا على التوالي، في حين يحوم الارتفاع السنوي في مؤشر أسعار المستهلك حول 1.5%. في أكتوبر/تشرين الأول 2016، تحول نمو أسعار المنتجين إلى الجانب الإيجابي، مما يشير إلى أن دوامة الديون الانكماشية ربما كُسِرَت. ولكن بعد بضعة أشهر جيدة، تحول معدل نمو مؤشر أسعار المنتجين المتسلسل إلى الجانب السلبي مرة أخرى، مما يشير إلى أن الوقت الحالي ليس مناسبا لاختبار مصير الانكماش.

ويصدق هذا بشكل أكبر في وقت حيث تحاول الحكومة تشديد قبضتها على أسعار العقارات الجامحة ــ وهو الجهد الذي من المرجح أن يثبط النشاط الاستثماري، فيضعف بالتالي النمو الاقتصادي في الأشهر الستة المقبلة. وفي هذا السياق، ربما تؤدي أي خطوة خاطئة إلى إعادة الصين إلى دوامة الديون الانكماشية ــ وهو ما من شأنه أن يفرض تهديدا أكثر حِدة على الاستقرار الاقتصادي في الصين مقارنة بالخطر الناجم عن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ذلك، تشير وكالة موديز إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين تمثل مشكلة خطيرة. وعلاوة على ذلك، تزعم وكالة موديز لتبرير خفض تصنيفها أن الجهود التي تبذلها الحكومة للحفاظ على النمو القوي من شأنها أن تُفضي إلى تحفيز سياسي مستمر، مما يساهم في زيادة مستويات الديون في مختلف قطاعات الاقتصاد.

غير أن هذه القراءة تفشل في التمييز بين الاتجاه الطويل الأمد لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عندما يكون نمو الاقتصاد عند معدله المحتمل ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اللحظية عندما يكون نمو الاقتصاد أقل من المعدل المحتمل.

من المؤكد أن الصين لديها من الأسباب ما يحملها على تنفيذ برامج التحفيز الاقتصادي. والواقع أن القدرة الفائضة التي هيمنت حتى وقت قريب على الاقتصاد الصيني كانت متأصلة جزئيا في الافتقار إلى الطلب الكلي (وجزئيا في فرط الاستثمار المسرف).

في عالَم مثالي، كانت حكومة الصين للتمكن من الاستجابة بتحفيز الاستهلاك الأسري. ولكن في غياب المزيد من الإصلاحات في مناطق مثل الضمان الاجتماعي، من المحتم أن يكون نمو الإنفاق الاستهلاكي بطيئا. وفي الوقت نفسه، يتعين على الحكومة أن تعتمد على سياسة مالية توسعية لتشجيع الاستثمار في البنية الأساسية، حتى ولو كان ذلك يعني زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ينبغي لمثل هذه المبادرة أن تنطوي أيضا على تحسين فرص التمويل ــ بما في ذلك خفض تكاليف الاقتراض ــ لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. ومن ناحية أخرى، يمكن منع ارتفاع نسبة ديون الشركات إلى الناتج المحلي الإجمالي من خلال بذل الجهود لتحسين كفاءة رأس المال، وتعزيز ربحية الشركات، وتضييق الفارق بين تدفقات الائتمان والاستثمار الممول بالاستدانة، وزيادة حصة تمويل الأسهم، والتوفيق بين أسعار الفائدة الحقيقية وأسعار الفائدة الطبيعية.

لا شك أن ديون الصين ــ وخاصة ديون شركاتها ــ تمثل مشكلة خطيرة، ولابد من كبحها. ولكن يتعين على الصين أن توازن بين هذه الحتمية وبين الاحتياج الأكثر إلحاحا إلى الإبقاء على معدل النمو عند مستوى يتلاءم مع الإمكانات، ومنع الاقتصاد من العودة إلى دوامة الديون الانكماشية. وحتى الآن، تمكنت الصين من التوفيق بين هاتين الحتميتين. ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أن يتاح لها الوقت لمعالجة التحديات قبل أن يفوت الأوان.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali