Monopoly logo Hasbro

تكنولوجيا المعلومات تغذي التفاوت في الثروة والدخل

ستانفورد ــ على مدار أكثر من ثلاثين عاما في الاقتصادات المتقدمة، وخاصة الولايات المتحدة، كان التفاوت في الثروة والدخل في ازدياد مستمر، وكان ارتفاع الأجور الحقيقية (المعدلة تبعا للتضخم) بطيئا، وواجه المتقاعدون انخفاض أسعار الفائدة على مدخراتهم. وقد حدث كل هذا في حين سجلت أرباح الشركات وأسعار الأسهم ارتفاعات حادة. والآن، يُظهر بحث أجريته شخصيا أن هذه التغيرات كانت في المقام الأول راجعة إلى صعود تكنولوجيا المعلومات الحديثة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

الواقع أن تكنولوجيا المعلومات أثرت على الاقتصاد على أكثر من نحو؛ فقد ساعدت أجهزة الكمبيوتر، وشبكة الإنترنت، وتكنولوجيا الهاتف النقال في تحويل وسائل الإعلام، وتجارة التجزئة على شبكة الإنترنت، وصناعة المستحضرات الصيدلانية، وعدد لا يُحصى من الخدمات الأخرى المتصلة بالمستهلكين. لقد حسنت تكنولوجيا المعلومات الحياة بشكل هائل.

ولكن من خلال تمكين صعود القدرة الاحتكارية، وتيسير إقامة الحواجز التي تحول دون الدخول، خَلَّف نمو تكنولوجيا المعلومات أيضا آثارا جانبية سلبية كبرى على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك انتشار "الأخبار المزيفة".

فبادئ ذي بدء، تسمح بنية قطاع تكنولوجيا المعلومات بتشكل القدرة الاحتكارية. فقد عملت تكنولوجيا المعلومات على تحسين معالجة وتخزين نقل البيانات، والمبدعون في مجال تكنولوجيا المعلومات هم المالكون الوحيدون لقنوات المعلومات الرئيسية التي يعملون بنشاط لمنع المنافسين من استخدامها.

تدافع شركات تكنولوجيا المعلومات عن سلطتها الاحتكارية من خلال براءات الاختراع أو حقوق الملكية الفكرية. ولكن هذه المسارات تتطلب جعل الأسرار التجارية علنية. ولهذا، تتخلى شركات عديدة لأسباب استراتيجية عن تدابير الحماية القانونية، وتعمل على توطيد مواقف مهيمنة في السوق من خلال إصدار تحديثات برمجية مستمرة تخدم بطبيعتها كحاجز يصعب على المنافسين اختراقه. فعندما تنشأ تكنولوجيات جديدة محتملة، تستحوذ الشركات الأكبر غالبا على منافسيها، إما لتطوير التكنولوجيات المنافسة بمفردها أو لقمعها.

بمجرد نجاح شركة مبدعة في ترسيخ هيمنتها على إحدى المنصات، يُصبِح الحجم ميزة. ولأن تكلفة معالجة وتخزين المعلومات انخفضت في السنوات الأخيرة، فإن الشركات التي تتمتع بميزة الحجم تتحمل تكاليف تشغيل أقل، وترتفع أرباحها بسرعة مع تضاعف أعداد المستخدمين (جوجل وفيسبوك من الأمثلة الجيدة هنا). ويكاد يكون من المستحيل أن يتغلب المنافسون على ميزة التكلفة واقتصاد الحجم الكبير.

ولأن هذه الشركات، فضلا عن ذلك، تستمد قوتها من المعلومات، فإن مراكزها تتعزز بفضل قدرتها على استخدام معلومات منافسيها الخاصة كأصل استراتيجي. والواقع أن العديد من منصات تكنولوجيا المعلومات ليست شركات منتجة بالمعنى التقليدي؛ فهي مرافق عامة تعمل على تمكين التنسيق وتبادل المعلومات بين المستخدمين في مجالات مختلفة. باختصار، تعمل تكنولوجيا المعلومات على تمكين خلق حواجز تمنع الدخول إلى الأسواق، ومن ثَم تشجع الشركات الرائدة على اكتساب المزيد من الرسوخ. ومع تزايد وتيرة الإبداع والابتكار في مجال تكنولوجيا المعلومات، تتعاظم أيضا القدرة الاحتكارية.

في ورقة بحثية حديثة تناولت قياس الآثار الاقتصادية المترتبة على السلطة الاحتكارية، حددت تقريبيا المستويات الطبيعية التي لا تُصبِح الأرباح أو قيم الأسهم فوقها أحداثا راجعة إلى المصادفة البحتة، بل تعكس بدلا من ذلك القدرة الاحتكارية. ومع هذه المستويات، قمت بقياس العنصر الاحتكاري في قيم الأسهم الإجمالية ــ ما أسميه "الثروة الاحتكارية" ــ وفي أرباح أو ريع الاحتكارات. ثم سعيت إلى تحديد كيف تطورت الثروة الاحتكارية والريع.

يبين الشكل أدناه الثروة الاحتكارية كنسبة من القيمة الإجمالية لسوق الأسهم بين عام 1985 وعام 2015. وكما تُظهِر البيانات، لم تكن هناك ثروة احتكارية في الثمانينيات. ولكن مع تطور صناعة تكنولوجيا المعلومات، ارتفعت الثروة الاحتكارية بشكل كبير؛ فبلغت 82% من القيمة الإجمالية لسوق الأسهم ــ ما يعادل نحو 23.8 تريليون دولار أميركي ــ في ديسمبر/كانون الأول 2015. وهذه هي الثروة الإضافية المكتسبة بفِعل القدرة الاحتكارية المتزايدة، والتي تواصل النمو.

لتوضيح أهمية نسبة الثروة الاحتكارية، ما علينا إلا أن نتأمل الارتفاع الحاد المصاحب في مستويات استدانة الشركات. في ستينيات القرن العشرين، كانت نسبة كل الأصول الشركاتية الحقيقية الممولة بالاستدانة أقل من 20%. وبحلول عام 2015، ارتفعت هذه الحصة إلى نحو 80%، وهذا يعني أن أغلب رأس المال الذي تحتفظ به شركات عامة اليوم يملكه ويتداوله حاملو السندات. بعبارة أخرى، اتفق المستثمرون على تمويل ديون الشركات باستخدام الثروة الاحتكارية كضمانة، وبالتالي يمكننا أن نعتبر أغلب التداول في سوق الأسهم ملكية متداولة للثروة الاحتكارية.

وكما يبين الجدول أدناه، فإن تسع من الشركات العشر صاحبة أكبر ثروة احتكارية في ديسمبر/كانون الأول 2015 كانت شركات مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات وتركز على الاتصالات المتنقلة، ووسائل الإعلام الاجتماعية، وبيع التجزئة عبر الإنترنت، والعقاقير. وعلى نحو مماثل، كانت أغلب الثروة الاحتكارية بين أفضل 100 شركة تنشأ بواسطة شركات ساعدت تكنولوجيا المعلومات في تحويلها.

ينقسم الدخل الذي تنشئه شركات تتمتع بقدرة احتكارية إلى ثلاثة أنواع: دخل العمل، وإيرادات الفائدة العادية المدفوعة لرأس المال، والأرباح الاحتكارية. وتُظهِر البيانات أن الأرباح الاحتكارية في السبعينيات والثمانينيات كانت ضئيلة للغاية. ولكن منذ عام 1984، ارتفعت حصة الأرباح الاحتكارية على نحو مضطرد؛ فبلغت 23% من إجمالي الدخل الذي حققته الشركات الأميركية في عام 2015. وهذا يعني أن القدرة الاحتكارية تسببت خلال العقود الثلاثة السابقة لعام 2015 في انخفاض الحصص المجمعة للأجور والفائدة الطبيعية على رأس المال بنسبة 23%.

يؤدي ارتفاع الإنتاجية وتراكم رأس المال إلى زيادة الأجور والدخل الرأسمالي، غير أن القدرة الاحتكارية تقلل من حصص الدخل هذه. ويفسر هذا جزئيا لماذا سجلت الأجور نموا بطيئا وواجه المتقاعدون أسعار فائدة منخفضة على مدخراتهم خلال الفترة من 1985 إلى 2015.

لماذا إذن تسببت القدرة الاحتكارية المتزايدة الارتفاع في قطاع تكنولوجيا المعلومات في تركز الدخل والثروة في أياد أقل، على النحو الذي أدى إلى اتساع فجوة التفاوت في الدخل الشخصي والثروة؟

يتمثل جزء من الإجابة في تسبب زيادة القدرة الاحتكارية في زيادة أرباح الشركات ودفع أسعار الأسهم إلى الارتفاع بشكل حاد، الأمر الذي أدى إلى إنتاج مكاسب تمتع بها قِلة من حاملي الأسهم وإدارات الشركات. ولكن لأن العديد من أصحاب المشاريع في قطاع تكنولوجيا المعلومات كانوا من الشباب في بداية حياتهم المهنية، في ظل ملكية محدودة للأسهم، فإن الأمر يتطلب شرحا أكثر دقة.

منذ ثمانينات القرن العشرين، كانت ابتكارات تكنولوجيا المعلومات قائمة على البرمجيات إلى حد كبير، الأمر الذي أعطى المبدعين الشباب ميزة كبيرة. بالإضافة إلى هذا، عادة ما تكون دراسات "إثبات المفهوم" غير مكلفة للإبداعات البرمجية (باستثناء مجال المستحضرات الصيدلانية)؛ فبالاستعانة برأسمال متواضع، يستطيع المبدعون في مجال تكنولوجيا المعلومات اختبار الأفكار دون التنازل عن حصة كبيرة من مخزونهم. ونتيجة لهذا، عملت ابتكارات تكنولوجيا المعلومات الناجحة على تركيز الثروة بين عدد أقل ــ وأكثر شبابا عادة ــ من الأيدي.

لم يكن هذا صحيحا في القرن العشرين، عندما كانت الإبداعات الكبرى في قطاعات رائدة مثل السيارات تتطلب استثمارات ضخمة من رأسمال المخاطرة. وبفضل الاحتياج إلى المزيد من المستثمرين، كانت الثروة الناشئة توزع بشكل أعرض اتساعا.

الواقع أن الآثار الجانبية السلبية الناجمة عن تكنولوجيا المعلومات غير مفهومة بشكل كامل، وهناك احتياج شديد إلى إدارة مناقشة عامة حول كيفية تنظيم القطاع. وتمثل ثلاثة اعتبارات أهمية بالغة هنا. فأولا، ما دامت أغلب القدرة الاحتكارية القائمة على التكنولوجيا لا تنتهك قوانين مكافحة الاحتكار القائمة، فإن تنظيم تكنولوجيا المعلومات سوف يتطلب اتخاذ تدابير جدية لإضعاف الاحتكارات. وهناك أيضا احتياج إلى مفاهيم جديدة للمصلحة العامة لتنظيم قنوات معلومات عامة جديدة مثل الشبكات الاجتماعية. وثانيا، لابد من تكييف وجهات النظر المعيارية لدخل الأعمال والضرائب على الثروة بحيث تضع في حسبانها القدرة الاحتكارية لشركات تكنولوجيا المعلومات. وثالثا، لابد من إعادة تقييم القوانين الرامية إلى حماية المعلومات الخاصة لضمان عدم تمكين شركات تكنولوجيا المعلومات من التربح من استغلال المعلومات الخاصة والتلاعب بها.

وفي المقام الأول من الأهمية، يتعين على جماهير الناس أن تسعى إلى اكتساب فهم أعمق للتأثيرات الاقتصادية الناجمة عن تكنولوجيا المعلومات، وبشكل خاص كيف تعمل التكنولوجيات التي ساعدت في تحسين حياة كثيرين على إثراء حياة قِلة قليلة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/lpsq6Bc/ar;

Handpicked to read next

  1. An employee works at a chemical fiber weaving company VCG/Getty Images

    China in the Lead?

    For four decades, China has achieved unprecedented economic growth under a centralized, authoritarian political system, far outpacing growth in the Western liberal democracies. So, is Chinese President Xi Jinping right to double down on authoritarianism, and is the “China model” truly a viable rival to Western-style democratic capitalism?

  2. The assembly line at Ford Bill Pugliano/Getty Images

    Whither the Multilateral Trading System?

    The global economy today is dominated by three major players – China, the EU, and the US – with roughly equal trading volumes and limited incentive to fight for the rules-based global trading system. With cooperation unlikely, the world should prepare itself for the erosion of the World Trade Organization.

  3. Donald Trump Saul Loeb/Getty Images

    The Globalization of Our Discontent

    Globalization, which was supposed to benefit developed and developing countries alike, is now reviled almost everywhere, as the political backlash in Europe and the US has shown. The challenge is to minimize the risk that the backlash will intensify, and that starts by understanding – and avoiding – past mistakes.

  4. A general view of the Corn Market in the City of Manchester Christopher Furlong/Getty Images

    A Better British Story

    Despite all of the doom and gloom over the United Kingdom's impending withdrawal from the European Union, key manufacturing indicators are at their highest levels in four years, and the mood for investment may be improving. While parts of the UK are certainly weakening economically, others may finally be overcoming longstanding challenges.

  5. UK supermarket Waring Abbott/Getty Images

    The UK’s Multilateral Trade Future

    With Brexit looming, the UK has no choice but to redesign its future trading relationships. As a major producer of sophisticated components, its long-term trade strategy should focus on gaining deep and unfettered access to integrated cross-border supply chains – and that means adopting a multilateral approach.

  6. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now