0

مكافحة الكونزو

إيست لانسنج، ميتشجن ــ كانت البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا مبتلاة لفترة طويلة بالعديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، من الايدز إلى الحمى الصفراء. ولكن القضاء على هذه الأمراض يتطلب فهماً واضحاً لها، فضلاً عن المال والتعليم والدعم الحكومي والتخطيط، وأخيراً وليس آخراً الاهتمام من قِبَل المجتمع والعالم بحل المشكلة.

ولنتأمل هنا مرضاً يمكن الوقاية منه ولم يسمع به أغلب الناس قط: مرض الكونزو، وهو خلل دائم لا رجعة فيه يصيب أعصاب الحركة العلوية، وهو شائع في المناطق الريفية في بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا والتي تعتمد على أصناف مُرَّة من نبات الكاسافا كمحصول أساسي. وتحدث الإصابة بالكونزو عندما لا يتم إعداد درنات الكاسافا بالشكل الصحيح قبل استهلاكها، والذي يتطلب عادة نقعها إلى أن تتخمر ثم تجفف في الشمس للسماح بتحلل المركبات المنتجة لسيانيد الهيدروجين. وقد يتأثر المئات أو الآلاف من الأشخاص في أي منطقة قروية مع كل تفش للإصابة.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

والكونزو شائع بشكل خاص في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق وتنزانيا، وهو ينتشر غالباً في أعقاب موجات الجفاف والصراعات، عندما يندر الطعام. والنساء والأطفال هم الأكثر تضررا، وخاصة في أوقات الشدة الاقتصادية، عندما تتضاءل القدرة على الحصول على اللحوم والبقول وغير ذلك من مصادر أحماض الكبريت الأمينية اللازمة لتمكين الكبد من إزالة سم السيانيد من الجسم.

ومن السهل ملاحظة التأثيرات. وتعريف الكونزو وفقاً لمنظمة الصحة العالمية هو: اختلال تشنجي مرئي أثناء المشي أو الجري؛ ويستغرق ظهور الخلل أسبوعاً واحداً في الشخص السليم سابقا، ويلي ذلك دورة غير متدرجة؛ وحركات تشنجية مفرطة للركبتين أو الكاحلين من دون علامات تشير إلى وجود مرض في العمود الفقري.

وتتفاوت شدة الإصابة بالكونزو. وفقاً لتصنيف منظمة الصحة العالمية في عام 1996 فإن المرض يعتبر خفيفاً عندما لا يحتاج الضحية إلى استخدام أداة مساعدة للمشي بانتظام؛ ومعتدلاً عندما يستخدم المريض عكازاً أو اثنين؛ وشديداً عندما يكون طريح الفراش أو غير قادر على المشي بدون دعم.

ولأن الكونزو تم تشخيصه في البداية باعتباره مرضاً يصيب الخلايا العصبية الحركية العليا ويقتصر على المسارات الحركية في الجهاز العصبي المركزي، فكان من المتصور أن التأثيرات الإدراكية ضئيلة للغاية. ولكن الأدلة الفسيولوجية الكهربائية التي ظهرت في وقت لاحق تشير إلى أن وظائف الدماغ على المستوى الأعلى قد تتأثر أيضا. وفي توثيق الضعف العصبي الإدراكي في الأطفال الذين يعانون من الكونزو، لاحظت أنا وزميلي أيضاً أعراضاً قبل سريرية حتى في الأطفال غير المصابين بالكونزو والذين يعيشون في أسر متضررة بالكونزو، وهو الاكتشاف الذي استند إلى أدائهم في اختبارات عصبية إدراكية أكثر تخصصاً للذاكرة والتعلم.

وقد تشكل هذه الأعراض الأقل وضوحاً حالة ما قبل ظهور الكونزو، وهو ما يوفر تحذيراً من أن الطفل يقترب من عتبة المرض. وبالتالي فإن التأثيرات العصبية الإدراكية الموثقة في الأطفال غير المصابين بالكونزو والذين يعيشون في الأسر أو المجتمعات المتضررة به تزيد من أهمية ضمان سلامة الأغذية في المناطق التي تعتمد على أصناف مُرَّة من نبات الكاسافا والتي تحتوي على مستويات عالية من المركبات المنتجة لسيانيد الهيدروجين.

ولتحقيق هذه الغاية، قامت مؤسسة بل وميليندا جيتس بدعم الأبحاث المؤدية إلى تطوير أصناف غير سامة وعالية الإنتاجية من الكاسافا. ومن الممكن أن تزدهر هذه السلالات المعدلة وراثياً حتى في التربة المتدهورة، حتى لا يضطر الناس إلى اللجوء إلى أصناف أكثر سُمّية.

ولكن نشر هذه السلالات الأكثر أماناً ليس بالمهمة السهلة. فالمناطق المتضررة بالكونزو تفتقر إلى القدرات الزراعية والتعليمية فضلاً عن القدرة على الوصول إلى الصحة العامة والبنية الأساسية اللازمة لتنفيذ التغييرات المطلوبة. ولنفس الأسباب، تفشل هذه المناطق في تنويع المواد الغذائية الأساسية بحيث تشمل محاصيل أكثر أماناً مثل الدخن والذرة والبقول.

ولأنه لا يوجد علاج للضرر العصبي الذي يحدثه مرض الكونزو، فإن المعركة ضد المرض لابد أن تركز على الوقاية. وفي حين يعني هذا الاستمرار في إظهار فوائد السلالات الجديدة من الكاسافا وغير ذلك من الأغذية الرئيسية، فإن الأولوية الأولى لابد أن تكون لتثقيف الناس وخاصة النساء القرويات حول مخاطر تناول الكاسافا غير المجهزة، وتعليمهم كيف يعدونها بطريقة آمنة. وباستخدام التسويق الاجتماعي الملائم، على نحو أشبه بذلك المستخدم في مكافحة فيروس الايدز، يصبح من الممكن نشر الرسالة عبر الشبكات الاجتماعية والهواتف المحمولة والراديو والتلفزيون.

لا شك أن المجتمعات المحلية في المناطق المتضررة كانت لفترة طويلة تتبع ممارسات تقليدية آمنة. ولكن ربما لا يدرك الناس هناك السبب وراء أهمية هذه الممارسات، وبالتالي العواقب المترتبة على عدم الالتزام بها. وفي أوقات الاضطرابات وزيادة ندرة الغذاء بشكل خاص فإن نقع الدرنات المقشرة لمدة ثلاثة أيام إلى أن تتخمر ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس ليوم كامل قد يبدو ترفاً لا يمكن تحمله. ولكن هذا غير صحيح.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن الملايين من البشر معرضون لخطر الكونزو، وقد يتفشى المرض في أي وقت. وقد تكون الإصابة العصبية مُقعِدة. ولأننا نعرف كيف نمنع الخطر فنحن ملزمون بمنعه.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali