President Donald Trump and German Chancellor Angela Merkel Alex Wong/Getty Images

عقاب ميركل وسوء حظ أوروبا والعالم

جوهانسبرج ـ إن أحد الأخطاء الأكثر شيوعا التي يرتكبها القادة الأوروبيون في تفسير العداء الذي أظهره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلفاء التقليديين لأمريكا، ورغبة إدارته في قلب النظام الدولي، هو افتراض أن كل هذه الأعمال غير مسبوقة. لكن هذه ليست الحقيقة.

"فلسفتي هي أن جميع الأجانب يحاولون تدميرنا، ومن واجبنا أن ندمرهم أولاً". هكذا قال جون كونالي، وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، في عام 1971، في محاولته الناجحة لإقناع الرئيس ريتشارد نيكسون بأن الوقت قد حان لمعاقبة أوروبا عن طريق تعطيل نظام بريتون وودز (وهو نظام إدارة نقدي أسس قواعد للعلاقات التجارية والمالية بين الدول الصناعية الكبرى في العالم في منتصف القرن العشرين).

وبالمثل، فإن ترامب يوافق بالتأكيد على أنه "من خلال موازنة متطلبات نظام دولي مستقر ضد الاحتفاظ بالحرية في العمل من أجل السياسة الوطنية"، اختارت الولايات المتحدة بحكمة "هذا الأخير". كان ذلك قول بول فولكر، رئيس نيويورك الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، في تقييمه لقرار نيكسون في خطاب ألقاه بعد سبع سنوات. كما أعلن الرئيس المستقبلي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كذلك أن "التفكك المحكم في الاقتصاد العالمي ... كان هدفاً مشروعاً في الثمانينيات".

إن الفرق بين الوضع الراهن لأوروبا والأزمة التي واجهتها في السبعينيات يكمن في انهيار مركز أوروبا السياسي المماثل لذلك الذي حدث في جمهورية فايمار الديمقراطية. وفي سبعينيات القرن الماضي، شنت الولايات المتحدة هجوماً مالياً على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (على سبيل المثال، من خلال تعويم الدولار) وقد واجهته المؤسسات الأوروبية الموحدة. وعلى النقيض من ذلك، يجب على المدافعين عن الوضع الأوروبي الراهن أن يناضلوا على جبهتين: مقاومة تجاوزات ترامب، وداخل أوروبا، محاربة أمثال ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو، النجوم الصاعدة في السياسة الإيطالية الذين، على الرغم من أغلبيتهم البرلمانية، حرموا من حق تشكيل حكومة من قبل رئيس الدولة المحاصر والمدافع عن المؤسسات.

كان البيان الصادر عن الولايات المتحدة حول التعريفات الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم، والذي كان يهدف ظاهريًا إلى الصين، بمثابة إشارة أخيرة إلى أوروبا بأن خطاب ترامب "أمريكا أولاً" يجب أن يؤخذ على محمل الجد. ثم جاء الانسحاب الأميركي من الصفقة النووية الإيرانية، والذي منح ترامب فرصة أخرى رائعة للاستفادة من عجز أوروبا، وخاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وبعد تأكيدها على أن ألمانيا، أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي من حيث عدد السكان والاقتصاد ، ستدعم الاتفاقية النووية الإيرانية، شعرت ميركل باٍهانة مباشرة بعد انسحاب شركة ألمانية تلو الأخرى من إيران. كان الجميع غير راغبين في تحدي القوة المالية الأمريكية أو فقدان التخفيضات الضريبية التي قدمها ترامب إلى ما يقرب من 5000 شركة ألمانية بقيمة إجمالية تصل إلى 600 مليار دولار. وقبل أن يتم استيعاب الصدمة الإيرانية، هددت الولايات المتحدة بفرض تعريفة جمركية بنسبة 25٪ على واردات السيارات الأوروبية، الأمر الذي من شأنه أن يخفض ما لا يقل عن 5 مليارات دولار سنوياً من إيرادات المصدرين الألمان.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

قد تكون هذه النكسات خطيرة للغاية، لكن لا يمكن فهم حجم الصعوبات التي تواجهها ألمانيا إلا بعد استيعاب العلاقة السببية بينها وبين التطورات في إيطاليا.

ومثلما يهدف ترامب إلى قلب النظام العالمي الذي استفادت منه ألمانيا منذ عقود، يرى سالفيني ودي مايو أن تفكك اليورو يعد تطوراً اٍيجابيا من شأنه أن يدعم حملتهما لمكافحة الهجرة. قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، عندما كنتُ أتفاوض نيابةً عن اليونان مع الحكومة الألمانية لإنهاء مجموعة من القروض غير المستدامة والتقشف الشديد الذي لا زالت تعاني منه البلاد، حذرت محاوري في اجتماع مجموعة اليورو لوزراء مالية منطقة اليورو:

"إذا أصررتم على السياسات التي تدين شعوب بأكملها إلى مزيج من الركود والإذلال على المدى الطويل، فسيتعين عليكم قريباً التعامل ليس مع اليساريين الأوروبيين مثلنا، بل مع المناهضين لأوروبا والمعاديين للأجانب الذين يسعون إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي".

هذا بالضبط ما يحدث الآن. بعد أن استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد إصلاحات الاتحاد الأوروبي اللازمة، ضمنت حكومات ميركل المتعاقبة انقسام أوروبا. تدعو مؤسسة الإعلام الألماني الآن وزراء المالية إلى استدعاء فاروفاكيس الإيطالي الخبير الاقتصادي الإيطالي الذي تم رفض تعيينه كوزير للمالية من قبل الرئيس. هذا اللقب يحجب اختلافًا جوهريًا: كنتُ أرغب في إبقاء اليونان في منطقة اليورو على نحو مستدام وعارضت زعماء ألمانيا من أجل إعادة هيكلة الديون التي من شأنها أن تجعل ذلك ممكنا. بعد تدمير حكومتنا الأوروبية في صيف 2015، زرعت ألمانيا بذور الحصاد المرير اليوم: تحلم الأغلبية في البرلمان الإيطالي بالخروج من اليورو.

إن العلاقة السببية بين أزمتي ألمانيا السياسيتين لها أساس اقتصادي. يدرك ترامب تماما أن ألمانيا ومنطقة اليورو تحت رحمته، وذلك بسبب اعتمادهما المتزايد على الصادرات الصافية الكبيرة إلى الولايات المتحدة ودول أخرى في العالم. وقد نما هذا الاعتماد بلا هوادة نتيجة لسياسات التقشف التي جُرِّبت لأول مرة في اليونان ثم نُفذت في إيطاليا وأماكن أخرى.

ولفهم هذه العلاقة، ينبغي التذكير بإصرار ألمانيا على "الميثاق المالي" للقضاء على عجز الميزانية الهيكلية كشرط للموافقة على تقديم القروض لإنقاذ الحكومات والبنوك المتعثرة. كما نلاحظ أن حملة التقشف الأوروبية هذه قد تمت على خلفية وفورات فائضة ضخمة على الاستثمار. وأخيراً، يجب علينا أيضًا الانتباه إلى الكم الهائل من المدخرات المفرطة والميزانيات الحكومية المتوازنة التي تمثل فائضًا تجاريًا ضخمًا - مما يؤدي بالتالي إلى اعتماد ألمانيا وأوروبا بشكل متزايد على صافي الصادرات الضخمة إلى الولايات المتحدة وآسيا. وبعبارة أخرى، فإن السياسات غير المؤهلة ذاتها التي أدت إلى ظهور الحكومة الإيطالية المعادية للأجانب والمناهضة لأوروبا، عززت أيضاً سلطة ترامب على ميركل.

لقد أدى عدم قدرة أوروبا على حل مشاكلها الخاصة إلى ظهور أغلبية إيطالية جديدة تخطط لإزاحة نصف مليون مهاجر، مما سيؤدي بدوره إلى تعزيز العنصريين المتشددين في هنغاريا وبولندا وفرنسا وبريطانيا وهولندا و بالطبع، ألمانيا نفسها. وفي هذه الأثناء، ولأن أوروبا أضعف من أن تقهر ترامب، ستهدف الولايات المتحدة إلى إجبار الصين على تحرير قطاعيها المالي والتكنولوجي. وإذا نجحت أمريكا في القيام بذلك، فسوف يتدفق ما لا يقل عن 15٪ من الدخل القومي الصيني إلى خارج البلاد، مما يعزز القوى الانكماشية التي تولد الوحوش السياسية في أوروبا والولايات المتحدة.

كل هذا كان متوقعا - وفي الواقع تم التنبؤ به. لذا لا ينبغي أن يفاجأ الناس بالوضع الذي تجد فيه ميركل وأوروبا نفسيهما اليوم. لكن المجانين الخطيرين فقط من سيحتفلون بذلك.

http://prosyn.org/blKIpwp/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.