16

السياسة الخارجية الألمانية تبلغ سن الرشد

برلين ــ قبل خمسة وعشرين عاما، جاءت عملية إعادة توحيد شطري ألمانيا لكي تضع في قلب أوروبا مرة أخرى قوة كبرى كان موقعها وإمكاناتها الاقتصادية وتاريخها سبباً في إثارة الشكوك حول إحياء طموحات الهيمنة. وفي ذلك الحين كان كبار زعماء أوروبا ــ بما في ذلك جوليو أندريوتي، ومارجريت تاتشر، وفرانسوا ميتران ــ يخشون أن تسعى ألمانيا إلى تعديل نتائج الحربين العالميتين.

في الأوساط السياسية الألمانية في عام 1990، كانت مجرد الفكرة تبدو وحشية وسخيفة. ولكن إنهاء تقسيم ألمانيا كان يعني أيضاً نهاية النظام العالمي الثنائي القطبية الذي ساد خلال سنوات الحرب الباردة؛ ومع مواجهة العالم لذلك الكم المتراكم من الأزمات والتوترات الإقليمية (في أوكرانيا، والشرق الأوسط، وشرق آسيا)، أصبح غياب نظام جيد يحل محل القديم واضحاً بشكل خطير.

الواقع أن المخاوف من عودة أشباح التاريخ كانت بلا أساس حتى الآن، على الأقل بقدر ما يتعلق الأمر بألمانيا. ورغم أن الأزمة المالية العالمية وآثارها على أوروبا حولت ألمانيا بحكم الأمر الواقع إلى كيان مهيمن اقتصاديا، فإن هذا ليس دوراً سعت إليه الحكومة الألمانية أو استعذبته. إن ألمانيا العائدة تظل دولة ديمقراطية مسالمة، وهي تعترف بحدود كل البلدان المجاورة لها، وتبقى راسخة في عضوية منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

ولكن برغم أن ألمانيا اليوم لا تشكل أي تهديد لجيرانها أو النظام الأوروبي، فمن الواضح أن الحال لم تكن هكذا دائما. فعلى مدى أول سبعين عاماً بعد توحيدها في عام 1871، سعت ألمانيا إلى فرض هيمنتها السياسية والعسكرية في أوروبا ــ وحدها وضد فرنسا غالبا. وقد أدى الفشل في الحرب العالمية الأولى إلى دفع ألمانيا في عهد أدولف هتلر إلى التطرف، وهو ما انتهى إلى الهزيمة التامة وتقسيم ألمانيا.