Merkel refugees STR:AFP:Getty Images

ألمانيا أنجيلا ميركل الجديدة

برلين ــ لعل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فاز بالأغلبية في الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر/أيلول، ولكن هذا لا يعني أن مستقبل البلاد بات واضحا. ومن المؤكد أن ما سينشأ عن مساعي ميركل لتشكيل ائتلاف جديد مع حزب الخُضر وحزب الديمقراطيين الأحرار لن يشكل مسار الاقتصاد الألماني على مدار السنوات الأربع المقبلة فحسب؛ بل وسوف يحدد أيضا مصير تحول ألمانيا إلى مجتمع مفتوح حقا.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

في أقل من جيل واحد، برزت ألمانيا، التي كانت ذات يوم رجل أوروبا المريض، باعتبارها قوة اقتصادية عالمية، ولكن الحقيقة هي أن النجاح الاقتصادي الحالي في ألمانيا ليس نتاجا لسياسات جيدة بقدر ما يرجع إلى الظروف الخارجية المواتية، وخاصة في أوروبا، التي جعلت الطلب القوي على الصادرات الألمانية مضمونا.

لا شك أن الإصلاحات الاقتصادية المحلية المهمة مكنت ألمانيا من اغتنام فرصة الطلب الخارجي. ولكن الإصلاحات بدأت قبل فترة طويلة من وصول ميركل إلى السلطة، ولم تُنَفَّذ خلال ولايتها التي دامت اثنتي عشرة سنة سوى قِلة من الإصلاحات الاقتصادية المهمة. على سبيل المثال، يظل الاستثمار الخاص المحلي ضعيفا، وهو ما يرجع جزئيا إلى الخدمات المفرطة التنظيم والأعباء البيروقراطية الثقيلة.

وعلاوة على ذلك، في حين وعظت الحكومة الألمانية جاراتها ونصحتها بالتقشف، فإنها زادت من إنفاقها الاجتماعي على معاشات التقاعد والتحويلات المالية، وسمحت في الوقت نفسه لصافي الاستثمار العام بالتحول إلى سلبي. ولم تتحقق عملية الإصلاح الشامل للنظام الضريبي المطلوبة بشدة والتي أثار حولها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قدرا كبيرا من الصخب. وعلى الرغم من زيادة تشغيل العمالة خلال ولاية ميركل، فإن خلق الوظائف لم ينجح في تقليص الشريحة المنخفضة الدخل في سوق العمل.

والآن تتقاتل الأحزاب التي ستشكل الحكومة التالية في الأرجح ــ حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (وشقيقه البافاري حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، وحزب الخُضر، وحزب الديمقراطيين الأحرار ــ حول أفضل السبل لاستخدام فوائض ألمانيا المالية الضخمة لخدمة جماهيرها الانتخابية. وأيا كان القرار الذي قد تنتهي إليه الأحزاب، فمن المرجح أن يظل أداء ألمانيا الاقتصادي قويا، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالتجارة والميزانية المنضبطة.

ويكمن الاختبار الحقيقي لما يسمى ائتلاف جامايكا (بسبب ألوان أحزابه) في مكان آخر. فكل ما افتقرت إليه ميركل من إنجازات في السياسة الاقتصادية، نجحت في التعويض عنه بجلب التغير الاجتماعي. فتحت قيادتها، تحولت ألمانيا إلى مجتمع مفتوح كما هي اليوم. ولكن المجتمع الألماني أصبح أيضا منقسما على نحو متزايد.

فالآن، ينتمي نحو 20% من سكان ألمانيا البالغ عددهم 82 مليون نسمة إلى خلفية مهاجرة، وما يقرب من خمسة ملايين منهم مسلمون. والآن يعتبر أربعة من كل خمسة ألمان الإسلام والمثلية الجنسية جزءا من المجتمع الألماني؛ وثلاثة من كل أربعة يقولون نفس الشيء عن المهاجرين واللاجئين. وسكان ألمانيا هم الأكثر تأييدا لأوروبا في القارة.

ساهمت الحكومات الثلاث الأخيرة، وجميعها بقيادة ميركل، بقوة في إحداث هذا التحول. ويطلق المنتقدون على ميركل وصف أول مستشار اجتماعي ديمقراطي من حزب محافظ، لأنها تبنت العديد من السياسات التقدمية، في حين بشرت بالاستقرار والقيم التقليدية. ويُقال إن قرارها الأكثر أهمية ــ والذي كاد يكلفها منصبها، ولكنه ربما يشكل إرثها في نهاية المطاف ــ كان القرار الذي اتخذته في عام 2015 بقبول ما يقرب من 1.5 مليون طالب للجوء والدفع نحو دمجهم في المجتمع الألماني، على الرغم من المعارضة الشرسة من قِبَل كثيرين في حزبها.

كما دعمت حكومات ألمانيا بقيادة ميركل التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وحقوق الأطفال، في حين أشرفت على إحراز تقدم كبير في مجال المساواة بين الجنسين. فبفضل زيادة المرونة في الوصول إلى أسواق العمل، وتوسع مرافق رعاية الطفولة المبكرة، والحوافز المالية، حدثت زيادة ملموسة في مشاركة الإناث في قوة العمل إلى أكثر من 70%، وهي واحدة من أعلى النسب في العالَم الصناعي. كما عملت الحكومة الألمانية الحالية على فرض حصة بنسبة 30% للنساء في المجالس الإشرافية في الشركات الكبرى، فضلا عن قانون شفافية الأجور الذي يهدف إلى الحد من الفجوة في الأجور بين الجنسين، والتي لا تزال ضخمة عند مستوى 21%.

رغم أن ميركل لم تكن قائدة هذه الإصلاحات ــ خاصة وأنها اضطرت إلى تجنب تنفير أولئك في حزبها الذين كانت نظرتهم إلى الإصلاحات سلبية ــ فإنها كانت داعمة لها ضمنيا. وعلى نحو مماثل، على الرغم من تصويت ميركل ذاتها في وقت سابق من هذا العام ضد إضفاء الشرعية على زواج المثليين، والذي يعارضه كثيرون في حزبها، فقد قبلت بكرم قرار مجلس العموم (البوندستاج)، وأعلنت أنها كانت تأمل أن يؤدي التصويت ليس فقط إلى تعزيز "الاحترام بين الآراء المختلفة"، بل وأيضا جلب "المزيد من التماسك الاجتماعي والسلام".

في نهاية المطاف، كانت موهبة ميركل في بناء الجسور عبر الانقسامات الاجتماعية والسياسية هي التي جعلت تحول ألمانيا إلى مجتمع مفتوح في حكم الممكن. وفي نهاية المطاف، ربما يصبح هذا، وليس السياسة الاقتصادية، الإنجاز الأعظم خلال ولايتها كمستشارة لألمانيا. ومن بعض الجوانب، تجاوزت ألمانيا بالفعل نقطة اللاعودة على طريقها نحو الانفتاح، بسبب سياسة اللاجئين التي فرضتها ميركل في عام 2015.

ورغم ذلك، هناك تحديات هائلة تنتظر ألمانيا في المستقبل. فإلى جانب التحديات الفنية والاجتماعية المرتبطة بالدمج الناجح للاجئين، تبرز الحاجة إلى تبني قدر أعظم من التسامح في التعامل مع الإسلام والتنوع بشكل أكثر عموما من جانب كل الألمان. كما يستلزم الأمر إدخال المزيد من التغييرات على سياسات الأسرة والمساواة بين الجنسين فضلا عن إصلاح شامل لنظام التعليم.

مع استمرار ألمانيا في مناقشة المعنى الحقيقي لكون المرء مواطنا ألمانيا، سوف تحدد نتيجة مفاوضات الائتلاف الحالية ما إذا كانت حكومة ميركل المقبلة ستتصدى لهذه التحديات بفعالية. وإذا فعلت، فسوف يتذكر التاريخ ميركل بوصفها مهندسة المجتمع الألماني الجديد.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/gNc4erF/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now