6

لعبة العروش في المملكة العربية السعودية

برينستون ــ الآن، اكتملت عملية تركيز السلطة التي بدأت بصعود الملك سلمان إلى عرش المملكة العربية السعودية في يناير/كانون الثاني 2015، بعد أن أحل ابنه الأمير محمد بن سلمان (31 عاما) محل الأمير محمد بن نايف (57 عاما) وليا للعهد.

يُعَد الأمير محمد بن سلمان الابن المفضل لدى الملك سلمان. وبتعيينه وليا للعهد، أشار الملك سلمان، الذي يبلغ من العمر الآن 81 عاما، إلى انقطاع واضح عن تقليد دام عقودا من الزمن والذي تمثل في بناء الإجماع بين كِبار أبناء مؤسِّس الدولة السعودية الملك الراحل عبد العزيز بن سعود.

من الناحية الهيكلية، لم تعد السعودية مملكة يتقاسم فيها الشيوخ السلطة. بل عادت إلى نظام الملكية المطلقة كما كانت في عهد الملك عبدالعزيز ذاته. وتتركز السلطة بالكامل في يد الملك، الذي فوض أغلبها لابنه، ولي العهد الجديد.

ومن الناحية العملية، سيؤدي صعود الأمير محمد بن سلمان إلى تبسيط عملية اتخاذ القرار، وتخفيف المخاطر السياسية المتأصلة في أي نظام يتألف من مراكز قوة متعددة متنافسة. فالآن هناك وضوح مطلق بشأن مسائل الخلافة ومواقع السلطة. ولكن في حين ينطوي هذا الترتيب الجديد على مزايا مؤكدة، فإنه لا يخلو أيضا من مزالق محتملة، فالآن بات من الممكن إصدار قرارات بعيدة المدى دون مساءلة أو طعن.

عندما يتوفى الملك سلمان، يصبح الأمير محمد بن سلمان ملكا، وسوف يحكم المملكة العربية السعودية لعِدة عقود من الزمن في الأرجح، فيخلف بصمته على الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية في البلاد. والواقع أن صعوده إلى السلطة ــ الذي بدأ في عام 2009، عندما أصبح مستشارا لوالده، الذي كان آنذاك أمير منطقة الرياض ــ كان شديد السرعة. ولكن إنجازه الأكثر إبهارا حتى الآن كان تسميته وليا للعهد. لقد فاز الأمير محمد بن سلمان بسباق إلى العرش شمل المئات من الأمراء، وأغلبهم أكبر منه سنا وأكثر خبرة ــ وجميعهم يشعرون بأنهم يستحقون الحكم.

من المؤكد أن محاباة الملك أعطت الأمير محمد بن سلمان سبقا ملموسا بوضوح؛ ولكن هذا وحده لا يفسر نجاحه. إذ كان لزاما على الأمير محمد بن سلمان أن يعتمد على ذكائه ودهائه وقوة شخصيته لتوطيد قوته وترسيخ سلطته على قطاعات رئيسية في المجتمع السعودي، والتي تشمل الأسرة المالكة ذاتها؛ والنخب البيروقراطية والتكنوقراطية؛ ووسائل الإعلام وطبقة المثقفين؛ وشركة النفط الوطنية الضخمة أرامكو السعودية؛ والمؤسسة الدينية وأجهزتها المختلفة.

وعلاوة على ذلك، تمكن الأمير محمد بن سلمان من إدارة كل هذا في حين ظل ملتزما من الناحية الرسمية ببروتوكولات وقواعد ��لتسلسل الهرمي الصارمة التي تنتهجها الأسرة المالكة السعودية. ويساعد هذا في تفسير السبب وراء المظهر السلس لانتقال السلطة من ولي عهد إلى آخر. في مقطع فيديو منتشر على نطاق واسع، يظهر الأمير محمد بن سلمان وهو يركع على ركبتيه لتقبيل يد ولي العهد المقال للتو. ولكن الأمير محمد بن نايف هو الذي يقدم رسميا ولاءه لمحمد بن سلمان، مما لا يدع مجالا لأي شك حول موقع السلطة.

كان ثاني أكبر إنجاز حققه الأمير محمد بن سلمان في السياسة الخارجية، حيث تمكن من إثبات قدراته لوالده. فقد أخذ المحمد بن سلمان زمام المبادرة للتواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 مباشرة، وقد أثمرت جهوده التي توجت بزيارة ترمب للرياض في مايو/أيار 2017.

كانت زيارة ترمب انتصارا كبيرا للمملكة العربية السعودية. فقد بلغت العلاقات الأميركية السعودية أدنى مستوياتها خلال فترة ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما، ولكن العلاقات أعيد ضبطها الآن. فخلال زيارته، أكد ترمب على أهمية العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وعَرَض دعمه الكامل في المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران على الصدارة الإقليمية، كما وقع على العديد من الصفقات التجارية والاستثمارية التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات.

وقد حدد الأمير محمد بن سلمان، الذي يتسم بالطموح الكبير، هدفين عريضين للمملكة العربية السعودية. يتلخص الهدف الأول، الذي شرح خطوطه العريضة في برنامج يحمل اسم رؤية 2030، في تنويع اقتصاد المملكة، من خلال الحد من الاعتماد المفرط على عائدات النفط، وخلق وظائف جيدة خارج قطاع النفط. والواقع أن الأمير محمد بن سلمان مقتنع بأن الاحتياطيات النفطية الهائلة لدى المملكة العربية السعودية ستصبح أقل قيمة في المستقبل، نظرا لصعود أشكال الوقود البديلة وتكنولوجيات الطاقة المتجددة.

في إطار رؤية 2030، سوف يحاول الأمير محمد بن سلمان استثمار القيمة الأولية للاحتياطيات النفطية قدر الإمكان. وسوف تخصص هذه العائدات بعد ذلك لتطوير القطاعات غير النفطية في البلاد، والاستثمار في الأصول الخارجية للتعويض عن الخسارة الحتمية في عائدات النفط. ولتحقيق هذه الغاية، يحرص الأمير محمد بن سلمان على خصخصة جزء من أرامكو السعودية من خلال طرح عام أولي في عام 2018.

يتمثل هدف الأمير محمد بن سلمان الرئيسي الثاني في تحويل المملكة العربية السعودية إلى قوة عسكرية إقليمية مهيمنة وقادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، وخاصة من قِبَل إيران. ولتحقيق هذه الغاية، سيكون لزاما عليه أن يجعل بلاده أقل اعتمادا على الحماية العسكرية الأميركية، التي ظلت معتمدة عليها منذ عام 1945.

سوف يستغرق تحقيق كل من أهداف ولي العهد الجديد عشر سنوات أو أكثر. ولكن الآن بعد تأمين قاعدة سلطة الأمير محمد بن سلمان أخيرا، فيبدو أنه عازم كل العزم على تنفيذها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali