3

تنمية مستدامة بديهية

بودابست ــ تضم أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة لعام 2030 توفير التعليم الابتدائي لكل الأطفال، وفرص العمل لكل البالغين، وإنهاء الجوع والفقر. وهي طموحات نبيلة ــ ولكنها باهظة التكلفة. فهل نتمكن حقا من تحمل تكاليف تحقيقها جميعا؟

تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تلبية كل أهداف التنمية المستدامة العامة السبعة عشر، والتي تشمل 169 هدفا فرعيا محددا للتنمية، قد تكلف نحو 3.3 إلى 4.5 تريليون دولار أميركي سنويا ــ وهو ما يعادل تقريبا الميزانية الفيدرالية للولايات المتحدة لعام 2016، وأكبر كثيرا من نحو 132 مليار دولار أُنفِقَت في مجال مساعدات التنمية الخارجية على مستوى العالَم العام الماضي.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

الواقع أن مجرد توفير التعليم الابتدائي للجميع يتطلب ما لا يقل عن 17 مليار دولار من الإنفاق الإضافي سنويا، وتشير تقديرات اللجنة الحكومية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن استئصال الفقر يتطلب استثمارات سنوية في البنية الأساسية بقيمة 5 إلى 7 تريليون دولار على مستوى العالم. والواقع أن التقديرات تتفاوت كثيرا لأن لا أحد يستطيع أن يجزم عن يقين كم قد يتكلف تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

من ناحية أخرى، من غير المرجح أن توفر الدول المانحة زيادات ملموسة في تمويل التنمية في أي وقت قريب. ففي المملكة المتحدة، يريد الناخبون التراجع عن الالتزام السابق بالمساعدات الخارجية ــ والذي يبلغ نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي ــ بفارق اثنين إلى واحد. وفي الولايات المتحدة، قال المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب إن الحكومة الفيدرالية ينبغي لها أن "تتوقف عن إرسال المساعدات الخارجية إلى الدول التي تكرهنا". وفي أستراليا، خفضت الحكومة بالفعل ميزانية المساعدات إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، قياسا على الدخل القومي الإجمالي.

إذا لم يكن بوسعنا أن نعتمد على التمويل الكامل لكل أهداف التنمية المستدامة، فينبغي لنا إذن أن ننفق ما لدينا بحكمة، لا أن ننفق المزيد على استثمارات لا تحقق تاريخيا سوى عائدات منخفضة. على سبيل المثال، في مجال التعليم، لم يخلف الاستثمار في تصغير أحجام الفصول ورفع رواتب المعلمين أي تأثير يُذكَر على درجات اختبارات الطلاب.

وتُعَد "مساعدات المناخ"، التي تخصص أموال التنمية للجهود الرامية إلى تخفيف آثار الانحباس الحراري العالمي، مجالا آخر يَعِد بأكثر مما قد يحقق من فوائد فعليا. وفي كثير من الأحيان، يخدم هذا التمويل غرضا تجميليا ــ جعل المانحين يبدون بمظهر رحيم بالبيئة ــ بدلا من إحداث تغيير حقيقي.

في واقع الأمر، في حين تتكاثر برامج مساعدات المناخ، لا تزال دول عديدة تهدر المليارات لخفض أسعار الغاز بشكل مصطنع. ففي عام 2014، بلغ الإنفاق على إعانات دعم الوقود الأحفوري نحو 20 إلى 30 مليار دولار في الصين، ومِصر، وفنزويلا، والجزائر؛ ونحو 40 مليار دولار في روسيا والهند، ونحو 70 مليار دولار في إيران والمملكة العربية السعودية.

بين العديد من أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالطاقة، لابد أن تكون الدعوة إلى إنهاء إعانات دعم الوقود الأحفوري أمرا بديهيا. وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد في المركز البحثي الذي أتولى قيادته إلى أن كل دولار يجري تحويله من دعم الطاقة من الممكن أن يولد على الأقل 15 دولارا من الفوائد للمجتمع. وإنهاء إعانات الدعم هذه من شأنه أن يخفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون، وتلوث الهواء، وازدحام السيارات. والأمر الأكثر أهمية أنه يحرر من الأموال ما يمكن استخدامه في مجالات أخرى مثل الصحة والتغذية، حيث قد تخلف تدابير بسيطة تأثيرا هائلا نسبة إلى تكلفتها.

على سبيل المثال، في حين قتلت الملاريا أكثر من 400 ألف إنسان العام الماضي، فإن الناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية للوقاية من البعوض الحامل للملاريا تستمر فعاليتها لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات، وتكلف أقل من 10 دولارات لتصنيعها وتوزيعها. في الإجمال، يمكن تجنب كل حالة من الملاريا السريرية بتكلفة لا تتجاوز 11 دولارا.

وفقا لمؤسسة Givewellلتقييم الأعمال الخيرية، فإن مؤسسة ضد الملاريا تنقذ حياة طفل مع كل 3500 دولار تنفقها، حتى أن دراسة في كينيا وجدت أن ألف دولار فقط تنفق على توزيع الناموسيات من الممكن أن تمنع وفاة طفل. الواقع أن العامل الأميركي العادي ينفق مثل هذا القدر من المال سنويا على القهوة.

إن قدرا ضئيلا من الإنفاق من الممكن أن ينقذ شخصا واحدا من المعاناة بسبب حُمى مؤلمة، وصداع، وتوعك منهك، وقيء، وغير ذلك من أعراض الملاريا؛ ومن الممكن أن يوفر على المجتمع إهدار الإنتاجية الاقتصادية، لأن أيام غياب الأطفال عن المدارس، وغياب البالغين عن العمل تصبح أقل. ومن الممكن أن ينقذ مئات الآلاف من الأرواح. تشير تقديرات خبراء الاقتصاد لدينا إلى أن الاستثمار في الحد من انتشار الملاريا بنحو 50% من شأنه أن يعود على المجتمع بفوائد تعادل 35 ضعفا.

يتلخص تدخل آخر بسيط وفعّال في مجال الرعاية الصحية في إتاحة الأسبرين على نطاق أوسع، حتى يمكن تناوله في بداية النوبات القلبية لمنع الوفاة. ولا تتجاوز تكلفة علاج كل حالة بتوفير هذا الدواء الرخيص إلى جانب الزيارات السريرية والفحوص التشخيصية نحو 13 إلى 15 دولارا، وهذا يعني أننا نستطيع الوصول إلى 75% من سكان الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل في مقابل 3.5 مليار دولار فقط. وهذا يعادل تقريبا 20% مما أنفقته البرازيل لاستضافة دورة الألعاب الأوليمبية في ريو دي جانيرو هذا العام.

على نحو مماثل، من الممكن أن تخلف التدخلات في مجال التغذية الأساسية ــ وخاصة للنساء الحوامل والأطفال الرُضَّع ــ تأثيرات بعيدة المدى للأفراد والمجتمعات. ذلك أن التغذية الكافية تعمل على تحسين صحة الطفل في الأمد البعيد، وأدائه التعليمي، ودخله في المستقبل. والاستثمار في التغذية أمر آخر بديهي: فالتدابير مثل معالجة الملح باليود، وإضافة الحديد وحمض الفوليك وفيتامين أ، قد تكلف سنتات قليلة سنويا لكل متلق. وعلى نحو مماثل، تُعَد علاجات التخلص من الديدان والتطعيمات غير مكلفة، وفعّالة، فضلا عن ارتفاع عائدها على الاستثمار.

في حين لا ينبغي لنا أن نبحث فقط عن "صفقات" في أهداف التنمية المستدامة، فينبغي لنا بكل تأكيد أن ندرس أين يدر إنفاق كل دولار أكبر قدر ممكن من العائد. إنه لأمر رائع أن نتمكن من زيادة التمويل، ولكن من الحماقة أن نتصور أن أموال مساعدات التنمية سوف تتضاعف بين عشية وضحاها، أو أن أجندة التنمية الضخمة التي تتبناها الأمم المتحدة لديها الموارد اللازمة لكي تظل باقية على المسار الصحيح. والواقع أن إقناع الدول المرتفعة الدخل ــ ودافعي الضرائب في تلك الدول ــ بزيادة الإنفاق على مساعدات التنمية، يستلزم أن نكون أكثر وعيا بالتكاليف والفوائد، وأن ندرك أن ليس كل أهداف التنمية متساوية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

عندما يكون بوسعنا أن نعمل على تحويل حياة شخص ما بالكامل في مقابل مبلغ ضئيل من المال، فينبغي لنا أن نقبل هذا الانتصار البسيط قبل أن نلاحق المشاريع الكبرى بتكاليف أعظم ومن دون ضمان للنجاح. وإذا كنا نفتقر إلى المال، فلا ينبغي لنا أن نفتقر إلى الحس السليم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali