0

مارادونا: كاهن وضحية طقوس أرجنتينية شريرة

يبدو أن دييجو مارادونا الذي ما زال متمسكاً بأهداب الحياة وهو على مشارف الموت قد أصبح هذه الأيام كاهناً وضحية لطقوس أرجنتينية مأساوية. لقد تعلم الأرجنتينيون بعد معاناتهم الشديدة التي طال أمدها كيف يصنعون أبطالاً عالميين مثل إيفا بيرون و تشيه جيفارا . ولقد كاد نجم كرة القدم الأرجنتيني أن يرتفع إلى تلك المرتبة السامقة.

كان تشيه و إيفيتا من الشخصيات الجادة طيلة مدة عملهم في المجال العام. فقد كرس كل منهما نفسه لأعمال جسام ذات شأن تحفها المخاطر وتكتنفها البطولة. لقد ناضلا من أجل تغيير العالم وحمل كل منهما طواعية أعباء وهموم الجموع الغفيرة من الناس على كتفيه.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

كما أثقل كل منهما على صحته الهشة فكان الموت في سن مبكرة نتيجة طبيعية لهذا. قتل الفشل السياسي تشيه ، واعتصر المرض حياة إيفيتا ، فأنقذها من الكارثة السياسية التي ألمّت بزوجها بعد بضع سنين من وفاتها.

لقد رفع الموت المبكر مكانة تشيه ومرتبة إيفيتا في التاريخ الإنساني. فالعجائز لا يصلحون كأبطال. والموت المبكر يستحضر في النفوس صورة جميلة لمصير رائع قوطِع قبل أن يصل إلى أوجِه ـ ومن ثم، قبل أن يهوي إلى إخفاق محتوم. ومع أن هذه الفكرة قد لا تكون عقلانية منطقية، إلا أنها تتمتع بقوة هائلة.

وعلى هذا فإن ما يشدنا إلى أمثال هؤلاء الأبطال المأساويين هو أنهم يشبهوننا إلى حد كبير، ولكنهم في ذات الوقت يتمتعون بمواهب استثنائية غير عادية وقدرة على إضفاء مسحة تاريخية على مصائرهم. فنحن نحتفل بهم كأفراد أثبتوا لنا إلى أي مدى نستطيع أن نرتحل عبر الحياة، وإلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يكون جميلاً. ولكن لكي يترك البطل بصماته على طريق البطولة فلابد وأن يموت شاباً.

أما مارادونا فهو ليس بطلاً مأساوياً، بل إنه بطل عاش والسعادة تغلف حياته. فقد خاض معاركه في ميادين فن شعبي. كانت حياته عبارة عن أداء مسرحي، واتخذ لنفسه خلفية مسرحية مدهشة؛ وكانت انتصاراته في ميادين الجمال والذكاء.

كان طرده من كأس العالم عام 1982 بتهمة تعاطي المخدرات سبباً في وضعه على أول طريق المأساة في عقول الجماهير، لكن حبل الموت الذي يضيق على عنقه الآن، كان هو في الواقع الذي وضعه على ذلك الطريق منذ سنوات. ومثل إيفيتا و تشيه ، حمل مارادونا على كتفيه عبء آمال الناس. كانت مهمته في الحقيقة أخف، لكن هذا لم يقلل من ثقل العبء الذي تحمله. لقد اختنقت روح مارادونا البائسة بحب الناس الخانق المفرط؛ وفي نفس الوقت عجز عن الحياة بدون ذلك العقار الذي أدمنه. لقد كان سجيناً لنبوغه حبيساً لنهمه الذي لا يشبع لحب شعب الأرجنتين.

وحتى بعد أن اعتزل لعب كرة القدم بات الشعب الأرجنتيني يطالبه بما هو أكثر. فهم يريدون أن يسمعوا صوته وهو يتحدث، وأن ينصتوا إلى حكاياته، وأن يشعروا بحضوره. لكن الحياة، على النقيض من كرة القدم، تحيط بها عواقب أكثر صعوبة من مجرد الخسارة في مباراة. ولقد فشل مارادونا في إدراك هذه الحقيقة، كما عجز عن مواجهة إدمانه ـ إدمانه للحياة السريعة، وإدمانه لعلاقة غير صحية كثيرة المطالب تربطه بالشعب الأرجنتيني. وفي كل موقف من مواقف الحياة كان يقترب قليلاً من الموت.

كان مارادونا يحب دوماً أن يصرّح قائلاً: " أنا مجرد لاعب كرة، ولست قدوة لأي إنسان ". لكن أحداً لم ينصت إليه، بل إن المصورين الصحفيين اقتحموا غرفته بالمستشفى لكي يبثوا إلينا صور بطلنا وهو يصارع الموت. " هذا هو، عرضة للخطر، بدين، وضعيف، لكننا ننتظر منه القوة ".

كان قَدَر مارادونا أن يرقد عارياً من كل الأقنعة أمام الملايين من المعجبين به، وكان قَدَر بلاده أن تلاحقه وتحاول استعادته بعاطفتها الخانقة. وما كان لطقوس مأساوية كهذه أن تصل إلى نهاية طيبة على الإطلاق.

لكن كل ما سبق ينبئنا بشيء عن أبطال الأرجنتين وعن معجبيهم. فمثل هذه الطقوس تؤكد لنا أننا شعب متحمس إلى حد التهور، نبحث عن مرايا تظهر لنا أبطالنا في غاية جمالهم وشبابهم وروعتهم الاستثنائية؛ كما تؤكد أننا مفتونون بشكل من أشكال الموت يعمل على تجميد أوهامنا وتثبيتها في صور دائمة، مثل جسد إيفيتا المحنط.

مارادونا ، يا له من مسكين! فنحن رفاقه الأرجنتينيون نحمل في نفوسنا أحزاناً عتيقة علاوة على أحزاننا المعاصرة. لكننا ندور حول أحزاننا ونكباتنا فلا نتأمل في انحدار أمتنا بشكل مطّرد منتظم نحو الفقر، ولا نتفكر في اختفاء السراب الذي وعدنا به الرئيس السابق كارلوس منعم بتحولنا إلى دولة من دول العالم الأول، ولا ننتبه إلى فقدان مؤسساتنا لشرعيتها، ولا الفساد الذي استشرى بيننا والعنف الذي بات يحكم تصرفاتنا.

أنا لا ألوم مارادونا لابتعاده عن البلاد في السنوات القليلة الأخيرة، فالأرجنتين لديها من الأحزان ما يكفي من دونه. ولكن مما يدعو للأسف أن قد أصبح الآن ضحية لأحزاننا الجمعية. وليس من المدهش أن تتدهور صحته منذ عودته.

فبينما لا يستطيع أن يتنفس إلا بصعوبة بمساعدة جهاز التنفس الآلي، لا يتورع شعب الأرجنتين عن مطالبته بأن يلعب دوره في طقوسهم الشريرة: " أسعدنا بعض الوقت، أدخل البهجة على قلوبنا ".

بالقرب من المستشفى، في الهواء الطلق، في أحد شوارع المدينة الحزينة التي ابتكرت رقصة التانجو ، تكاد الطقوس الشريرة تكتمل، وكأنها تجري في معبدٍ ما. رسائل وصفحات منتزعة من مفكرات وصور وملصقات على جدران المستشفى. وحشود غفيرة من الناس تجمعت بالخارج، بعضهم يصلي، وبعضهم شرع في بناء مذابح وثنية. وترتفع في الأجواء أصوات أغاني فنان شعبي آخر، ألا وهو فيتو بياز ، وتصاحبها ترانيم كئيبة تتغنى بها الحشود. يا لها من مراسم وداع يائسة:

" أسعدنا بعض الوقت، أدخل البهجة على قلوبنا ".

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ولكن ماذا يستطيع بطلنا أن يفعل في هذه الساعة؟ إنه مشغول بقلبه المتضخم الذي ما زال ينبض رغم ما ألم به من إرهاق وكلل.

عندي لك نصيحة يا دييجو : إذا خرجت من المستشفى، فلتحمل حقائبك ولتتوجه إلى المطار.