0

الإنسان والآلة، وما بين الاثنين

توبنجن، ألمانيا ـ لقد أصبحنا في أيامنا هذه محاطين بالعُدَد والأدوات إلى الحد الذي يجعل من الصعب علينا في بعض الأحيان أن نميز أين تنتهي الأجهزة ويبدأ البشر. فمن أجهزة الكمبيوتر والمسّاحات الضوئية إلى الأجهزة النقالة بمختلف أشكالها ينفق عدد متزايد من البشر قسماً كبيراً من حياتهم الواعية في التفاعل مع العالم من خلال أجهزة إلكترونية، حتى أصبح الحاجز الوحيد الذي يفصل بين الدماغ البشري والآلة هو الحواس ـ البصر، والسمع، واللمس ـ التي عبرها يتم الاتصال بين البشر والأجهزة. ولكن إذا أزلنا الحواس من المعادلة، فإن الأجهزة الإلكترونية قد تصبح الأعين التي نبصر بها، والآذان التي نسمع بها، بل وحتى أذرعنا وسيقاننا، فنستوعب العالم المحيط بنا ونتفاعل معه من خلال البرامج والأجهزة.

هذه ليست مجرد تكهنات. إذ أن واجهات التفاعل بين الدماغ البشري والآلة أصبحت راسخة بالفعل على المستوى الإكلينيكي (السريري) ـ على سبيل المثال، في استعادة السمع عن طريق زرع قوقعة بالأذن. كما أصبح بوسعنا معالجة المرضى المصابين بمرض باركنسون في مراحله النهائية بالتحفيز العميق للمخ ( DBS ). وتشير تجارب حالية تجرى في مجال الجراحات الترقيعية العصبية إلى الاحتمالات الهائلة في المستقبل لإمكانية تنفيذ تدخلات مماثلة، سواء لترقيع شبكية العين أو زرع الخلايا الجذعية للمكفوفين أو أجهزة تسجيل نشاط المخ للسيطرة على الأعضاء الاصطناعية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لقد نجحت واجهات التفاعل غير الجراحية بين الدماغ البشري والآلة، والتي تعتمد على التخطيط الكهربائي للدماغ، في استعادة مهارات الاتصال لدى المرضى المصابين بالشلل. وتشير الدراسات التي أجريت على الحيوانات وبعض الدراسات التي أجريت على البشر إلى أن السيطرة الكاملة الفورية على الأطراف الاصطناعية من الممكن أن تعرض على المرضى المصابين بالشلل الفرصة للقبض على الأشياء بأيديهم أو حتى الوقوف والسير بالاستعانة بسيقان اصطناعية يتحكم فيها الدماغ، ولو أن ذلك لن يتم على الأرجح إلا عن طريق وسائل جراحية معقدة، ومن خلال زرع أقطاب كهربائية في الدماغ مباشرة.

إن التقدم المنتظر في علوم الأعصاب في المستقبل، إلى جانب النجاح في تصغير الأجهزة الإلكترونية الدقيقة، من شأنه أن يسمح بتطبيقات أوسع نطاقاً لواجهات التفاعل بين الدماغ والآلة. وقد ينظر البعض إلى هذا باعتباره تحدياً لفهمنا للهوية البشرية والعامل الأخلاقي. ولا شك أن السؤال الذي لابد وأن يُطرح هنا هو: إذا كان بوسعنا إعادة الوظائف الجسمانية لهؤلاء الذين يحتاجون إليها، فهل من الصواب أن نستخدم هذه التقنيات العلمية لتعزيز قدرات الأفراد الأصحاء؟

بيد أن المشاكل الأخلاقية التي تفرضها هذه التقنيات العلمية تتماثل من حيث المفاهيم مع تلك المشاكل التي تفرضها العلاجات الحالية، مثل مضادات الاكتئاب. ورغم أن التقنيات العلمية والمواقف التي تطرحها أجهزة التفاعل بين الدماغ والآلة قد تبدو جديدة وغير معتادة، فأنها تفرض القليل من التحديات الأخلاقية الجديدة.

في الأجهزة التعويضية التي يتحكم فيها الدماغ، يقوم الكمبيوتر الذي يتحكم في الجهاز بترجمة الإشارات الصادرة عن المخ، ثُم يستعين بها في التنبؤ بما ينوي المستخدم القيام به. لا شك أن هذه التنبؤات قد تفشل في بعض الأحيان، وهو ما قد يؤدي إلى مواقف بالغة الخطورة أو على الأقل محرجة. فمن المسؤول عن الأفعال اللاإرادية؟ أهو خطأ الكمبيوتر أم خطأ المستخدم؟ وهل يحتاج المستخدم لشكل ما من أشكال الترخيص أو التأمين الإجباري لتشغيل جهاز تعويضي؟

من حسن الحظ، هناك سوابق للتعامل مع المسؤولية القانونية في حالة فشل البيولوجيا والتكنولوجيا. فقد أدى تعمق معرفتنا بعلم الوراثة البشرية على سبيل المثال إلى محاولات لرفض المسؤولية الجنائية، استناداً إلى اعتقاد غير صحيح مفاده أن الجينات تملي علينا تصرفاتنا وأعمالنا سلفاً. ولكن هذه المحاولات منيت بالفشل، ومن غير المرجح على نحو مماثل أن تنجح الممارسات العصبية العلمية في قلب نظرتنا للمسؤولية والإرادة البشرية الحرة.

فضلاً عن ذلك فإن البشر كثيراً ما يتحكمون في أدوات بالغة الخطورة ولا يمكن التنبؤ بالعواقب المترتبة على استخدامها، مثل السيارات والأسلحة النارية. إن واجهات التفاعل بين الدماغ والآلة تمثل حالة بالغة التطور من استخدام الأدوات، ولكنها لا تتعدى ذلك التوصيف. ولا ينبغي للمسؤولية القانونية أن تكون أشد تعقيداً.

ولكن ماذا لو أحدثت الآلات تغيرات في الدماغ؟ تشير التجارب المبكرة في مجال حفز الدماغ، والتي أجريت منذ نصف قرن من الزمان، إلى أن إرسال تيار كهربي إلى الدماغ قد يؤدي إلى إحداث تغيرات في الشخصية والسلوك. فرغم أن العديد من المصابين بمرض باركنسون يستفيدون إلى حد كبير من التحفيز العميق للمخ، إلا أن هذه التقنية أظهرت وجود قدر أعظم من التأثيرات المعاكسة الخطيرة، مثل خلل الجهاز العصبي والاضطرابات النفسية وارتفاع معدلات الانتحار. كما كشفت دراسات الحالة عن هوس خفيف وتغيرات في الشخصية لم يدركها المرضى، ولكنها أدت في بعض الأحيان إلى إفساد العلاقات الأسرية قبل أن يتم تعديل مستويات التحفيز.

إن مثل هذه الأمثلة توضح الآثار الجانبية الدرامية المحتملة، ولكن بعض التأثيرات الأقل وضوحاً قد تنشأ أيضاً. فحتى من دون التحفيز، قد تؤدي أجهزة التسجيل، مثل الأجهزة التعويضية الحركية التي يتحكم فيها الدماغ، إلى تغيير شخصية المريض. وسوف يكون من الضروري تدريب المرضى على توليد الإشارات العصبية المناسبة لتوجيه الأطراف الاصطناعية. وقد يؤدي هذا إلى تأثيرات طفيفة على الحالة المزاجية أو وظائف الذاكرة أو قد يؤدي إلى إعاقة التحكم في النطق.

ولكن على الرغم من كل ذلك فإن هذا لا يثير مشكلة أخلاقية جديدة. فالتأثيرات والأعراض الجانبية شائعة في أغلب التدخلات الطبية، بما في ذلك العلاج بالعقاقير التي تتعامل مع الجهاز العصبي المركزي ( psychoactive drugs ). ففي عام 2004، على سبيل المثال، أمرت إدارة الأغذية والعقاقير في الولايات المتحدة شركات تصنيع العقاقير والأدوية بطباعة التحذيرات على بعض مضادات الاكتئاب بشأن ارتفاع احتمالات محاولة الانتحار في الأجل القصير بين المراهقين الذي يستخدمون هذه الأدوية، وألزمت الجهات العلاجية بتكثيف مراقبة الشباب مع بداية علاجهم بهذه العقاقير.

وسوف يتطلب الأمر ضمانات مماثلة عند إجراء الجراحات الترقيعية العصبية، أو عند إجراء التجارب الخاصة بها. إن التناول التقليدي لأخلاقيات الطب الحيوي يتلخص في الموازنة بين الفوائد التي تعود على المريض والمخاطر المترتبة على التدخل، فضلاً عن احترام القرارات المستقلة للمريض. والحق أن أياً من التقنيات العلمية الجديدة لا ينذر بتغيير هذا التناول.

ومع ذلك فقد بدأ توافر مثل هذه التقنيات العلمية في إحداث نوع من الاحتكاك. على سبيل المثال، رفض العديد من المصابين بالصمم الخضوع لعمليات زرع القوقعة، وذلك لأنهم لا ينظرون إلى الصمم بوصفه أعاقة تحتاج إلى التصحيح، بل باعتباره جزءاً من حياتهم وهوياتهم الثقافية. وزرع القوقعة في نظرهم يشكل تعزيزاً لوظيفة جسمانية إلى ما هو أبعد من حدودها الطبيعية.

إن التمييز بين التعزيز والعلاج يتطلب تحديد الحالة الطبيعية والمرض، وهو أمر بالغ الصعوبة. على سبيل المثال، يذهب كريستوفر بورس ، وهو فيلسوف من جامعة ديلاوير، إلى تعريف المرض باعتباره انحرافاً إحصائياً عن "الوظيفة النموذجية المطابقة للنوع".

Fake news or real views Learn More

ومن هذا المنظور فإن زرع القوقعة يبدو أمراً غير مشكوك فيه من الناحية الأخلاقية. ومع ذلك فقد ذهبت أنيتا سيلفرس ، وهي فيلسوفة من جامعة ولاية سان فرانسيسكو وباحثة وناشطة في مجال الإعاقة البدنية، إلى إطلاق وصف "طغيان الطبيعي" على مثل هذه العلاجات، باعتبارها تهدف إلى تكييف الصُم مع عالم مصمَّم للسمع، الأمر الذي يشير ضمناً إلى دونية الصمم.

يتعين علينا أن نتعامل بجدية مع مثل هذه المخاوف، ولكن لا ينبغي لنا أن نسمح لها بمنعنا من إجراء المزيد من البحوث حول واجهات التفاعل بين الدماغ والآلة. ولابد من تقديم تقنيات التعامل مع الدماغ بوصفها أحد الخيارات، وليس الحل الوحيد، للشلل أو الصمم على سبيل المثال. والحق أننا في هذا المجال وغيره من التطبيقات الطبية مستعدون تماماً للتعامل مع المسائل الأخلاقية بالتوازي مع ـ والتعاون مع ـ البحوث العلمية العصبية.