12

معجزة ماكرون

باريس-قبل الإنتخابات الرئاسية الفرنسية والتي إنتهت مؤخرا طلبت الإذاعة العامة الوطنية في الولايات المتحدة الإمريكية إن تجري معي مقابلة من أجل التحدث عن النتيجة ولكن كان هناك شرط وهو أنه سيتم عمل المقابلة فقط في حالة فوز مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة مارين لوبان. يبدو أن الاخبار السعيدة مثل هزيمة لوبان لا تعتبر أخبارا رئيسية هذه الإيام .

لكن في واقع الأمر فإن إنتصار الوسطي المؤيد لإوروبا إيمانويل ماكرون هو تطور مهم للغاية ففي العام الماضي عندما صوتت المملكة المتحدة من أجل الخروج من الإتحاد الأوروبي وأنتخبت الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب كرئيسها بدا وكإن الشعبوية اليمينية إنتقلت من ما يبدو مستحيلا إلى شيء لا يمكن مقاومته وبطريقة أو بأخرى كانت تستعد فرنسا لشعبوي يميني آخر لإن يفوز بالسلطة فإلى جانب تأثرها الشديد بإزمات منطقة اليورو في العقد الأخير، تعرضت فرنسا مؤخرا لموجة من الهجمات الإرهابية.

لكن الناخبين الفرنسيين –بما في ذلك العديد ممن لم ينجح مرشحهم أو حزبهم المفضل بالوصول للجولة الثانية- أقروا بمخاطر السماح للوبان بالوصول لقصر الإليزيه ومنحوا ماكرون نصرا مؤزرا. لقد عكس ذلك النضوج والذكاء السياسي وأعطى درسا للمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية (ربما كان ذلك هو الجزء التي لم ترغب الاذاعة العامة الوطنية في مواجهته).

ربما من العوامل المساعدة هو أن لوبان حطمت في المناظرة الرئاسية الثانية الواجهة والتي عملت بجد وإجتهاد من إجل بناءها . إن حملتها لنزع الشيطنة عن الجبهة الوطنية- لقد قامت سنة 2015 بطرد والدها جان ماري من الحزب الذي أسسه- لم تكن إلا مسرحية فهي كانت وما تزال إبنة أبيها.

لكن الإنتخابات الفرنسية جرت بالشكل الذي جرت عليه كما قال الكاتب ميشيل دي موناجين ليس فقط لإن لوبان كانت لوبان ولكن أيضا لإن ماكرون كان ماكرون ففي زمن آخر كان يمكن لشباب ماكرون وإستقلاليته أن يكون عبئا كبيرا ولكن في البيئة الحالية من إنعدام الثقة تجاه المؤسسة السياسية ، قدم ماكرون إحتمالية حصول شكل من أشكال التجديد.

بالطبع ، تتجاوز أبعاد الإنتخابات الفرنسية حدود فرنسا ففي المملكة المتحدة التي دعت رئيسة الوزراء فيها تيريزا ماي لإنتخابات عامة مفاجئة في الشهر القادم من أجل تدعيم مركزها في المفاوضات القادمة المتعلقة بالخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي "البريكست " تواجه الآن إحتمالية إعادة تشكيل المحور الفرنسي-الألماني وهو محور سيكون أكثر توازنا وبالنتيجة أكثر إستقرارا مقارنة بأي وقت مضى . إن من المؤكد أن الورثة السياسيين لوينستون شيرشل لن يدعموا مرشحا يشعر بالحنين لفرنسا تحت ظل حكومة فيشي ولكنهم ليسوا مخطئين عندما يشعرون بالقلق بإن إنتصار المرشح الأكثر تأييدا لإوروبا سوف يزيد من عزلتهم .

في واقع الأمر فإن من المحتمل أن إنتصار ماكرون –والذي إحتفل فيه على أنغام موسيقى نشيد الفرح لبيتهوفن وهو النشيد الوطني الأوروبي- سيؤدي لتنشيط وتحفيز القوى الأكثر إعتدالا وتأييدا لإوروبا في طول أوروبا وعرضها ( بإستثناء هنغاريا وبولندا). لقد أثبت ماكرون أن التفاؤل المدعوم ببرنامج واضح وحازم يمكن أن يحقق الفوز بالإنتخابات وحتى في أوروبا التي بدا وكأنها مقيدة بالتشاؤم والخوف . إن من المؤكد أن نهجه سينعكس على الإنتخابات العامة القادمة في ألمانيا وإيطاليا .

إن إنتصار ماكرون لم يكن نقطة تحول لصورة فرنسا (والشعبوية اليمينية ) في أوروبا فحسب ،بل كان أيضا نقطة تحول لصورة أوروبا في العالم فعلى العكس من إدعاءات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فإن القارة العجوز ليست في طور التحلل وهي قادرة على تجديد نفسها.

إن هذا قد يكون مخيبا للإمال بالنسبة لروسيا ولكن بالنسبة للصين فإن إنتصار ماكرون هو تطور إيجابي فالصينيون في نهاية المطاف لا يحبون الغموض وخاصة عندما يؤثر ذلك سلبا على الأسواق حيث كان من الممكن أن يؤدي إنتصار لوبان لتلك النتيجة بالتحديد.

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإن الردود على إنتصار ماكرون ربما كانت متفاوتة فبالنسبة لغالبية الأمريكيين الذين لم يصوتوا لترمب فإن من المحتمل أن فوز ماكرون أعطاهم شعورا بالإرتياح والرضا فهزيمة لوبان ما هي إلا رسالة توبيخ لترمب نفسه ولكن ربما كان هناك كذلك شعورا بالحسد فلو كان عند الديمقراطيين مرشحا مثل ماكرون عوضا عن هيلاري كلنتون لما أصبح ترمب رئيسا.

إن الأمريكان الذين صوتوا لترمب ربما كانوا غير متأكدين من شعورهم حيال فوز ماكرون فمن وجهة نظر أيدولوجيه كان فوز ماكرون مخيبا للأمال ولكن من وجهة نظر جيوسياسيه فإن فوزه لا يعتبر خبرا سيئا فتعزيز الركيزة الأوروبية ضمن الناتو سوف يفيد العالم الغربي بأكمله وبالنسبة لترمب – وهو نرجسي أكثر منه أيدولوجي والذي لم يلتقي بلوبان من قبل على الرغم من الإحتفاء بها من قبل العديد في إدارته- فإن من الممكن الإستفادة من فوز ماكرون بعدد من الطرق الإيجابية .

بالنسبة لماكرون ما يزال العمل في بدايته وحتى يحقق التغيير الذي وعد به ويبقى رمزا لآمال العالم التقدمية فإن على حركته "الجمهورية إلى الأمام " أن تحقق أغلبية في الإنتخابات التشريعية في الشهر القادم حيث نأمل أن يظهر الناخبون الفرنسيون مجددا الوعي الذاتي والحكمة وأن يقدموا له الدعم الذي يحتاجه في الجمعية الوطنية فالذي على المحك ليس مستقبل سياسي أو مستقبل حزبه بل مصير الجمهورية الفرنسية ومستقبل أوروبا.