French President Emmanuel Macron delivers a speech in the Sorbonne University Ludovic Marin/Getty Images

ماكرون يخوض التحدي من أجل أوروبا

باريس ــ في خطابه الطموح العامر بالرؤى الذي ألقاه في جامعة السوربون هذا الأسبوع، عَرَض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطته للتصدي للتيار القومي الكاره للأجانب في أوروبا. فهو يريد بناء "أوروبا موحدة وديمقراطية وذات سيادة"، حيث يشعر المواطنون مرة أخرى بحس الولاء لفكرة أوروبا ذاتها.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كان خطاب ماكرون أشبه بدعوة لحمل السلاح موجهة إلى الاتحاد الأوروبي الذي يواجه العديد من الأزمات والتهديدات. ولكن عندما يتعلق الأمر بالمسألة العصيبة والمثيرة للجدال بشأن إصلاح منطقة اليورو، جاءت مقترحاته مخيبة للآمال. وسوف يواجه صعوبة شديدة في إقناع نظرائه الأوروبيين الأكثر حذرا، وخاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي انكمش حيز المناورة المتاح لها بفِعل أداء حزبها الهزيل في الانتخابات الفيدرالية التي جرت في نهاية الأسبوع المنصرم.

ومع ذلك، أقام ماكرون حجة قوية وإيجابية لصالح تجديد الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الذي يعتنق العولمة والإبداع، في حين يحرص أيضا على حماية الأوروبيين، ويبذل المزيد من الجهد لمساعدتهم على التكيف مع عالَم متغير، ويعزز المصالح والقيم الأوروبية في عالَم تهيمن عليه أميركا والصين. كما يعزز الأمن في وقت تطغى عليه الرجعية الروسية المتزايدة، والإرهاب المتأسلم، والانسحاب الأميركي في عهد الرئيس دونالد ترمب.

جمع ماكرون بين أفكار كبرى والعديد من المقترحات الملموسة لتعاون أوثق في مجالات مثل الدفاع، والهجرة، والبيئة، والإبداع، والتعليم، وغير ذلك الكثير. والأفضل من هذا أنه حدد استراتيجية سياسية عريضة لتنفيذ مقترحاته. وقد أعلن ماكرون أنه إذا نجح فربما "تجد بريطانيا التي قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي" مكانها مرة أخرى" في الاتحاد الأوروبي بعد إصلاحه، جنبا إلى جنب مع أعضاء جدد من غرب البلقان.

بموجب خطة ماكرون، تقيم كل دولة في الاتحاد الأوروبي مؤتمرات ديمقراطية لمناقشة أولويات المواطنين. وسوف تشكل الأفكار المستمدة من هذه المناقشة جزءا من عملية أوسع تشمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحكوماته الراغبة في إصلاح أوروبا. ومن ثَم، يصبح بوسع التحالفات بين الحكومات الراغبة أن تحقق التكامل والاندماج بشكل أسرع، مع تنشيط المحرك الفرنسي الألماني الذي يدفع العملية إلى الأمام.

والكرة الآن في ملعب ألمانيا. فقد تستسلم أوروبا للنزعة القومية إذا فشلت خطة ماكرون. وسوف يكون هذا مدمرا لألمانيا، الدولة التي يقوم نجاحها الاقتصادي، وهويتها السياسية، وأمنها عل الاتحاد الأوروبي القوي القادر على الاضطلاع بوظائفه.

يُعَد ماكرون الرئيس الفرنسي الأكثر تأييدا لألمانيا، وقد نجح في تعزيز مصداقيته من خلال ملاحقة إصلاحات سوق العمل الصعبة وكشف النقاب عن ميزانية متدبرة حصيفة من المنظور الألماني. والواقع أن ألمانيا ترتكب خطأً استراتيجيا هائلا إذا لم تشارك بجدية في بلورة مقترحاته.

من المؤسف أن السياسة الداخلية في ألمانيا أصبحت أشد صعوبة. وقد اختار ماكرون لخطابه توقيتا يجعله يؤثر على مفاوضات ائتلاف ما بعد الانتخابات هناك، على أمل أن تستخدم ميركل فترة ولايتها الرابعة والأخيرة في الأرجح لتلميع إرثها من خلال استنان إصلاحات أوروبية جريئة. وكان ماكرون يعتمد أيضا على تمكن حزب ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، من الحفاظ على ائتلافه مع الديمقراطيين الاجتماعيين وزعيمهم رئيس البرلمان الأوروبي السابق مارتن شولتز.

بيد أن الناخبين الألمان لديهم خطط أخرى. فقد خسر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ونظيره البافاري حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي الدعم، في حين كان أداء الحزب الديمقراطي الاجتماعي رديئا للغاية حتى أنه قرر العودة إلى المعارضة. وفي الوقت نفسه، اجتاح الحزب اليميني المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي "البديل من أجل ألمانيا" مقاعد مجلس العموم الألماني بحصوله على 13% من الأصوات، وقد تعهد بملاحقة ميركل وإسقاطها.

يتعين على ميركل، التي أصبحت ضعيفة سياسيا الآن، أن تحاول تشكيل تحالف جامح يجمع بين الخُضر المغرمين بأوروبا والذين رحبوا بخطاب ماكرون، والمتشككين في أوروبا من حزب الديمقراطيين الأحرار الذين كانوا معادين لأوروبا. وفي حين يهاجم حزب البديل من أجل ألمانيا جناحها الأيمن، فسوف يتصارع منافسوها داخل حزبها لتحديد من يخلفها. وعلى هذه الخلفية، فإن حتى الحلول الوسط والتنازلات ستكون مشحونة سياسيا.

وسوف تكون خطط ماكرون لإصلاح منطقة اليورو أكبر أسباب الخلاف. فهو يريد إنشاء ميزانية لمنطقة اليورو ممولة بواسطة إيرادات الضرائب على الشركات. وسوف يشرف على هذه الميزانية، التي ستوفر الاستثمارات وتعمل كمخفف للصدمات خلال دورات الانحدار الاقتصادي (الركود)، وزير لمالية منطقة اليورو، والذي يفترض أن يكون مسؤولا أمام ممثلي بلدان منطقة اليورو في البرلمان الأوروبي.

بيد أن ألمانيا تبدي تشككها في ما تعتبره "اتحاد تحويل"، حيث يسلم دافعو الضرائب الألمان النقود إلى دول مسرفة فشلت في إعادة تشكيل اقتصاداتها وفقا للخطوط الألمانية. وسوف تفضل ميركل إنشاء صندوق مشترك صغير لمساعدة حكومات البلدان الأعضاء على تنفيذ إصلاحات صعبة، على الخيار الآخر المتمثل في تبني سياسات تثبيت الاستقرار المالي على غرار ما أوصى به جون ماينارد كينز. وفي حين يسعى ماكرون إلى إنشاء منصب وزير المالية الذي سيكون نظيرا سياسيا لرئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي، فإن ميركل تفضل أن يقتصر دور هذا الوزير على فرض الانضباط المالي الوطني.

ومكمن الخطر هنا هو أن يعجز ماكرون عن تحقيق ما لا يزيد على ميزانية رمزية لمنطقة اليورو في مقابل فرض ضوابط أكثر صرامة على الميزانيات الوطنية، وهذا من شأنه أن يلحق الضرر الاقتصادي ويبث السم على المستوى السياسي. وسوف يفوت ماكرون بهذا أيضا الفرصة لتنفيذ الإصلاحات التي تحتاج إليها منطقة اليورو حقا. ويشمل هذا تكامل الأسواق المالية بشكل أكثر عمقا؛ وتيسير عملية شطب الديون المصرفية والحكومية؛ وزيادة المرونة المالية؛ وإنشاء آليات أكثر توازنا للتكييف الاقتصادي.

تتلخص أكثر أفكار ماكرون تبشيرا في "إعادة أوروبا إلى مواطنيها". في كتابي بعنوان الربيع الأوروبي، أزعم أن الاتحاد الأوروبي التكنوقراطي المعيب يحتاج إلى زعماء يتحلون بالجرأة، ومبادرين سياسيين، وحركات شعبية، والمزيد من التجارب مع الديمقراطية التشاورية لإحداث التغيير المرغوب. وقد اقترح ماكرون هذه العناصر الأربعة.

وكان ماكرون محقا عندما أشار إلى أن بيروقراطية الاتحاد الأوروبي تبدو غالبا نائية، وغير ملهمة، وعقيمة؛ ولكنه يرفض أيضا الاستفتاءات التي تستقطب المواطنين حول اختيارات ثنائية تبسيطية. ومن الممكن أن تعمل المؤتمرات الديمقراطية المفتوحة التي اقترحها للنصف الأول من عام 2018 على ضخ أفكار جديدة إلى شرايين المناقشة المبتذلة، وتوفير الشرعية لإصلاحات جريئة، وفرض الضغوط على الحكومات المتمردة.

وربما تساعد المؤتمرات أيضا في تعزيز حركات سياسية جديدة، مثل حركة ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، والتي قد تجلب وجوه جديدة إلى عالَم السياسة، وتساعد في فتح الأنظمة الحزبية الفاسدة، وتبدأ في إعادة بناء ثقة الناس في الساسة. ومن الممكن أن تمنح ماكرون أيضا المزيد من النفوذ لمواصلة تنفيذ إصلاحاته، من خلال تقديم مرشحين جدد في الانتخابات الوطنية وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي.

الواقع أن طموح ماكرون عريض، إن لم يكن مخيفا. ولكن التحديات التي تواجه أوروبا مهولة. وربما يحاول ماكرون تحقيق الكثير في نفس الوقت، ولكن الاتحاد الأوروبي الأكثر ديمقراطية وديناميكية واتحادا جائزة تستحق القتال للفوز بها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/Cuw3ZIt/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now