0

أميركا اللاتينية والنزعة الإقليمية الجديدة

نحن نحيا على كوكب تفسد صورته شبكة من الحدود المتقاطعة، التي ظل الإنسان يرسمها ثم يعيد رسمها طيلة التاريخ، وذلك وفقاً لأوهام أو نزوات، وكثيراً ما أسفرت محاولات الدفاع عن هذه الحدود إلى إراقة أنهار من الدماء. فبطبيعة الحال، كانت هذه الحدود تفتقر دوماً إلى الكمال، واليوم أصبحت النقائص التي تعيب هذه الحدود ظاهرة جلية على نحو جديد.

إن تدفق موجات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم بسبب الفقر واليأس، يؤدي إلى المزج بين الصراعات التي قد تخوضها دولة ما وبين صراعات دولة أخرى. فتغير المناخ الناجم عن الدمار البيئي في مكان ما من العالم قد يؤدي إلى الفيضانات والأعاصير والجفاف والمجاعات في مكان آخر من العالم، كما أصبحت سهولة السفر والانتقال عبر أنحاء العالم سبباً في انتشار الأمراض بسرعة أكبر. لقد بات لزاماً علينا أن ندرك على نحو متزايد أن حدودنا ليست عبارة عن جدران منيعة. بل هي في واقع الأمر مجرد خطوط رسمناها في الهواء.

باختصار، لا تستطيع أي أمة على وجه هذا الكوكب المتقلب المتقلص أن تعالج مشاكلها في معزل عن مشاكل الدول الأخرى. ولا تصدق هذه الحقيقة في أي مكان في العالم أكثر من صدقها في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، حيث أسفرت ضربات التاريخ المتفاوتة والسياسات الوطنية المتنوعة عن خليط من المصائر التي تنتظر شعوبنا المتعددة. واليوم ـ عبر الحدود أحياناً وداخل الحدود أحياناً أخرى ـ أصبحت الثروات التي ما كان لأحد أن يتصورها ذات يوم قائمة جنباً إلى جنب مع الفقر المدقع والشرور الاجتماعية بكافة أشكالها. لقد أصبحت منطقتنا عامرة بالتناقضات القاسية.

ولكن مما يدعو إلى التفاؤل أن العديد من البلدان في هذا القسم من العالم أدركت أن قضية الرخاء الإقليمي لابد وأن تعالج باعتبارها تحدياً إقليمياً. وإنه لمن دواعي افتخاري أن تكون كوستاريكا بين هذه البلدان. ورغم أن أمتنا قد تكون صغيرة، إلا أن التزامنا برفاهية ورخاء هذه المنطقة ليس ضئيلاً على الإطلاق.