2

إحصاء العمال غير المرئيين في أفريقيا

ياموسوكرو ــ ربما تعود مليارات الدولارات من المساعدات المقدمة إلى أفريقيا سنويا بقدر كبير من الخير على القارة، ولكنها غير قادرة على توفير حل للفقر. ولن تتحقق هذه الغاية إلا من خلال خلق المزيد من الوظائف عالية الجودة. ولكن السؤال هو كيف.

تتباهى أفريقيا بمجمع كبير وخلّاق من العمالة، تدعمه شريحة سكانية من الشباب من المتوقع أن تتضاعف، إلى أكثر من 830 مليون نسمة بحلول عام 2050. وينبغي لهذا أن يكون نعمة للاقتصادات في مختلف أنحاء القارة. ولكن صناع السياسات في أفريقيا يواجهون مشكلة خطيرة، فهم لا يعرفون كم من الناس يتعاملون معهم، أو أين يعيشون، أو كيف يكسبون معايشهم. الأمر ببساطة أنهم يفتقرون إلى القدر الكافي من البيانات.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

في 46 من أصل 54 دولة أفريقية، يعيب تسجيل الإحصاءات الحيوية الخاصة بالمواليد والزواج والوفيات أنها محدودة. ووفقا لتقرير مؤسسة مو إبراهيم فإن "ثلث الأفارقة فقط يعيشون في بلدان حيث أجري أي تعداد للسكان منذ عام 2010"، وفي كثير من الأحيان تعاني برامج التعداد السكاني القائمة من نقص التمويل، وهي غير جديرة بالثقة. ويعيش أكثر من نصف الأفارقة في بلدان لم تجر أي مسح لقوة العمل منذ عشر سنوات على الأقل.

في الوقت نفسه، يعمل الشباب الأفارقة إلى حد كبير في الاقتصاد غير الرسمي، حيث يدخلون في ترتيبات ارتجالية تقع خارج نطاق التنظيم الحكومي والضرائب. وربما يقومون بعمل مثمر، ولكن في اقتصادات حيث يكتسب العمل غير الرسمي الطابع المؤسسي عمليا نظرا للافتقار إلى آليات جمع البيانات.

في غياب صورة دقيقة لحالة سوق العمل، تتعثر قدرة الحكومات على الاستجابة للتحديات التي تعصف بها. ومن غير الممكن أن تتمكن المبادرات الرامية إلى الحد من البطالة بين الشباب، على الرغم من وفرتها، من الوفاء بالغرض منها بفعالية، ما دمنا لا نعرف أي نوع من الوظائف موجود بالفعل وأي الأنواع مطلوب. وفي ظل التوقعات بانضمام ما يقدر بنحو 122 مليون شخص إلى قوة العمل في أفريقيا بحلول عام 2022، فسوف تتفاقم صعوبة مواكبة اتجاهات العمل ــ وتوفير العدد الكافي من الوظائف المجزية.

ولا تعني زيادة وضوح الصورة من خلال تحسين عمليات جمع البيانات مجرد محاكاة أساليب تتبع الأيدي العاملة المستخدمة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث لا يمثل الاقتصاد غير الرسمي مثل هذه النسبة المرتفعة من العمالة. وبدلا من ذلك، يتعين على الحكومات الأفريقية، بمساعدة قوى القطاع الخاص، أن تعمل على تطوير أساليب لفهم الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد غير الرسمي وكيف يمكن تحسين عمله. وآنئذ فقط يصبح في الإمكان معالجة البطالة والفقر بفعالية وإطلاق العنان لطاقات الشباب في أفريقيا.

من المؤكد أن بعض الأساليب التي تنطوي على إمكانات عالية واضحة بالفعل. تشير تقارير التحالف من أجل ثورة خضراء في أفريقيا إلى أن القارة تنفق 60 مليار دولار أميركي سنويا على الواردات من المواد الغذائية، برغم أنها تتباهى بامتلاك 60% من الأراضي غير المزروعة على مستوى العالم. وبالتالي فإن الاستثمار في تنمية الموارد الزراعية في أفريقيا أمر بديهي.

ومن الممكن أن يلعب الشباب دورا مركزيا في هذا الجهد. فمن خلال تحديد الأجزاء من سلاسل القيمة الزراعية التي يمكن للشباب أن يساهموا فيها، ثم الاستثمار في هذه الأجزاء، يصبح بوسع الزعماء الأفارقة أن يخلقوا فرص عمل لائقة ومجزية في القطاع الرسمي للعاملين من ذوي المهارات المتدنية نسبيا، ولنقل في التصنيع الخفيف. ولن يتطلب انتشال العمال من قاع سلسلة القيمة سوى قدر ضئيل من التدريب على المهارات ــ مثل 120 عاملا يعملون الآن في مصنع معجون الطماطم في نيجيريا.

ويتمثل نهج واعد آخر في برنامج فوليندليل إيجوزي في جوهانسبرج، الذي يهدف إلى إزالة العوائق التي تحول دون توظيف الشباب على مستويات الدخول الأولية من خلال تزويدهم بالمهارات مثل المعرفة الرقمية. تساعد مثل هذه المهارات في تمكين الشباب من التحرك ليس فقط إلى خارج القطاع غير الرسمي، بل وأيضا خارج نطاق الوظائف الرسمية غير المرغوبة، مثل صناعة الأمن الخاص في جنوب أفريقيا، والتي توظف أكثر من 412 ألف شخص. واجهت هذه الصناعة انتقادات حادة بسبب ظروف العمل السيئة؛ وحتى إن لم تكن هذه هي الحال، فإن هذه الصناعة لا تنمي ذلك النوع من المهارات التي يمكنها دعم النمو الاقتصادي المستقر والمستدام.

مع اكتساب المزيد من الناس المهارات والقدرة على الوصول إلى الفرص لشغل وظائف منتجة في القطاع الرسمي، حيث يجري تسجيلهم والاعتراف بهم، تحظى الحكومات بفهم أفضل لسوق العمل. ولكن لتعظيم فعالية الجهود المبذولة لتوفير هذه المهارات والفرص، ناهيك عن ضمان عدم بقاء أولئك الذين يستمرون في القطاع غير الرسمي مختفين عن الأنظار، فإن الأمر يتطلب أيضا مبادرات تهدف بشكل مباشر إلى تحسين عمليات جمع البيانات.

ومن بين هذه المبادرات برنامج أفريقيا للتعجيل بتحسين التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية، والذي أطلِق رسميا في عام 2011. ورغم أنه قد لا يقدم نتائج فورية، فإنه يبدأ في وضع حجر الأساس لتطوير وتنفيذ البرامج استنادا إلى بيانات دقيقة حول سكان أفريقيا.

إن الحد من البطالة والفقر ليس مسؤولية الحكومات وحدها. بل من الممكن أن تساعد قوى القطاع الخاص والمواطنين العاديين في هذا الصدد. على سبيل المثال، يمكننا دعم الأنشطة غير الرسمية، مثل إعادة تدوير النفايات، التي تعطي الشباب من ذوي المهارات المتدنية الفرصة لكسب المال. وبوسعنا أن نشجع ونسهل برامج التلمذة الصناعية التي توفر المهارات الفنية والفرص للتعليم المدني.

لقد نجحت أفريقيا في التصدي لمشكلات معقدة وبعيدة المدى من قبل. على سبيل المثال، أصبح وباء الإيدز الذي بدا ذات يوم وكأنه لا يُقهر تحت السيطرة إلى حد كبير الآن. وكان المفتاح للتصدي لهذا التحدي هو التعاون بين الحكومات، وشركاء التنمية، والمجتمعات المحلية، في جمع ومعالجة واستخدام البيانات لضبط الاستراتيجيات.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وينبغي لنا أن نفعل الشيء ذاته لمعالجة مشكلة نقص فرص العمل. وإذا كان لاقتصادات أفريقيا أن تستوعب 122 مليون شاب من المتوقع دخولهم إلى قوة العمل في السنوات الخمس المقبلة، فيتعين علينا أن نعكف على تصويب حساباتنا ــ بدءا من الآن.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali