3

الألعاب البهلوانية الأولمبية للكرملين

موسكو- سيكون الروس يوم الجمعة القادم بين الرياضيين الذين سيتجمعون خلف أعلامهم الوطنية في حفل إفتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية لسنة 2016 في ملعب ماركانا في ريو دي جانيرو  ولقد كانت روسيا قاب قوسين أو أدنى من عدم المشاركة ففي أعقاب الكشف مؤخرا من قبل الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات عن إستخدام واسع النطاق للمنشطات برعاية حكومية ، تجنبت روسيا حظرا شاملا بشق الأنفس .

لقد قررت اللجنة الأولمبية الدولية عدم حظر المشاركة الروسية بشكل كامل وترك الأمر للإتحادات الرياضية المنظمة لمراجعة سجل كل رياضي وإتخاذ القرار فيما يتعلق بإمكانية مشاركة ذلك الرياضي في المنافسات الرياضية .لقد تلقى البعض ذلك القرار بالترحاب بينما أزعج القرار آخرين . أما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي أصبح بارعا للغاية في تحويل أسوأ إذلال دولي لنصر دعائي للكرملين فإن الموضوع لن يؤثر سلبا عليه مهما كان قرار اللجنة الأولمبية الدولية .

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

في واقع الأمر فإن بوتين يعتبر الألعاب الأولمبية –وخاصة الميداليات – مهمة للغاية ومثل أسياده في الإتحاد السوفياتي القديم فإنه يخلط بين المجد الرياضي والمجد العسكري ولهذا السبب ضغط بشكل شخصي من أجل أن تستضيف روسيا الألعاب الشتوية في سوتشي ولقد كان السعر غير المسبوق والذي وصل لخمسين مليار دولار أمريكي يستحق ذلك وذلك نظرا لإن روسيا فازت بمعظم الميداليات (لقد شكلت التصرفات الروسية خلال الألعاب الأولمبية في سوتشي أساس فضيحة المنشطات ).

إن هذا لا يعني أن المجد الرياضي يعوض عن المجد العسكري فخلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في بيجين سنة 2008 ( والتي حلت روسيا فيها في المرتبة الثالثة بعد الصين والولايات المتحدة الأمريكية) تمكنت روسيا من لفت إنتباه العالم بحربها القصيرة مع جورجيا وبعد سوتشي شعر بوتين بالغضب من الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فكتور يانكوفيتش وأراد الفوز بالذهب الجيوإستراتيجي  المتثمل بضم شبه جزيرة القرم وتنصيب جهات إنفصالية موالية له في شرق أوكرانيا.

والآن ماذا عن ريو ؟ إن هناك شائعات بإن مولدوفا والتي خطت خطوات واثقة على طريق التحالف مع الغرب هي التالية على قائمة بوتين الهجومية . إن الإستيلاء على ترانسنيستريا وهي جيب مولدوفي موالي لروسيا قريب من أوكرانيا سينطوي على تحديات إقتصادية كبيرة لروسيا والتي ما تزال تترنح من العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب شبه جزيرة القرم ولكن إحتلال تلك المنطقة سيبعث برسالة قوية وبوتين يعشق الرسائل القوية .

إن روسيا البيضاء هي ضحية محتملة أخرى لحملة بوتين الإنتقامية . إن روسيا البيضاء التي يحكمها الحاكم المطلق الكسندر لوكاشينكو والذي يتولى منصب الرئاسة منذ سنة 1994 من المفترض أنها في الجيب الخلفي للكرملين ولكن لوكاشينكو يحاول منذ فترة طويلة التلاعب بروسيا في مواجهة الغرب وذلك من أجل الحصول على أفضل الصفقات بالنسبة لبلاده ومنذ ضم شبه جزيرة القرم فلقد إتجه بخطوات ثابته بإتجاه الغرب على الرغم من أن خطوة روسيا الأخيرة بتقليص إمدادات النفط قد تكون كافية من أجل إجبار لوكاشنكو على إعادة التفكير بسياسته .

بالنسبة لمولدوفا أو روسيا البيضاء فإن الكشف عن برنامج المنشطات الروسي والحظر شبه الكامل على روسيا من المشاركة في الألعاب الأولمبية قد يحمل أخبارا سيئة للغاية حيث قد يقوم بوتين بالتلاعب بتلك الأخبار من أجل إثبات طرحه بإن هناك مؤامرات غربية مستمرة ضد روسيا وفي واقع الأمر فإن الكرملين ووزير الرياضة الروسي فيتالي موتكو إتهموا جريجوري رودشينكوف المسؤول الروسي السابق في لجنة مكافحة المنشطات والذي إنقلب ليصبح الشخص الذي كشف عن فضيحة المنشطات بإنه ألعوبة غربية ولو أضفنا إلى ذلك قرار الناتو الأخير بإرسال وحدات عسكرية صغيرة شرقا من أجل طمأنة بولندا ودول البلطيق فإن من الممكن أن تقرر روسيا أنه قد حان الوقت لإنشاء منطقة عازلة أكبر بينها وبين الغرب .

إن من الواضح أن بوتين وهو عميل سابق للكي جي بي لن يعتذر عن فضيحة المنشطات وكما يعترف كل الجواسيس فإن الكذب والخداع في خدمة بلدك ليس مقبولا فحسب بل إنها تمثل جوهر الخدمة السرية وعليه يبدو من المناسب إن نظام المنشطات الذي ترعاه الدولة كان بإشراف ف سي بي ( الإستخبارات التي حلت مكان الكي جي بي ).

مثل الجواسيس فإن الجبابرة لا يحبون كثيرا اللعب النظيف وبوتين جاسوس وجبار في نفس الوقت. لا يمكن أن تنشط أية آلة دعائية في بلد تكون فيه السياسة حرة وعادلة ونزيهه وشفافة والدعاية حيوية من أجل تمكين زعيم ما من تدعيم سلطتة للدرجة التي وصل إليها بوتين.

بالنسبة لبوتين فإنه لا يختلف عن أي قائد آخر سواء كان ديمقراطيا أو لم يكن فلقد كشفت أوراق بنما التي تم تسريبها مؤخرا إستخدام حسابات الأوفشور البنكية والشركات الوهمية لإخفاء الثروة وتجنب الضرائب من قبل الجميع وذلك من رئيس وزراء أيسلندا إلى والد رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون . لقد كان المقربون من بوتين عبارة عن مجموعة صغيرة من الأسماء في قائمة طويلة ومتنوعة والدرس بالنسبة لبوتين هو أن الجميع يكذب ولكن بطريقة أو بأخرى فإن الروس فقط هم الأشرار .

إذن بالنسبة لبوتين فإن الكشف عن قيامه بالغش هو خطأ ولكن يجب أن لا يشعر بالخجل من جراء ذلك وتعرضه للعقاب بسبب الغش يكشف ببساطة عن نفاق أولئك الذين يقفون وراء ذلك العقاب وبهذا المعنى فإن الحظر الكامل للرياضيين الأولمبيين الروس كان يمكن أن يكون نتيجة أفضل بالنسبة لوضع بوتين محليا ونتيجة أسوأ بالنسبة للبلدان التي يركز عليها .

والان بعد أن تم إعادة إحياء الأحلام الرياضية لروسيا إلى حد ما فربما سيكون بوتين مستعدا لتعليق سعيه للمجد العسكري بشكل مؤقت لإسباب ليس أقلها الخوف من نقل بطولة كأس العالم لكرة القدم 2018 من روسيا إلى مكان آخر وفي واقع الأمر تظاهر بوتين بأخذ مزاعم إستخدام المنشطات على محمل الجد وحتى أنه طلب من اللجنة الأولمبية الروسية إنشاء وكالة مستقلة لمكافحة المنشطات .

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لكن حتى تلك الخطوة تستهدف تعزيز موقف بوتين وليس الخضوع للإغراب حيث أن تلك الخطوة تبعث برسالة مفادها أنه حتى في وجه الظلم فإن روسيا العظيمة تظهر الكياسة والكرم وفي غضون ذلك فإن حقيقة أن الرياضيين الروس سيواجهون "بشكل غير عادل" المزيد من التدقيق والتمحيص في الألعاب الأولمبية سيوفر الغطاء الملائم لإداء ضعيف محتمل .

إن مما لا شك فيه أن بوتين هو مناور ممتاز ولكن تلاعبه في موضوع التدقيق الإضافي التي ستخضع له روسيا ربما يحمل مخاطر أقل من تفسيره المحتمل لحظر كامل . إن السؤال هو ما إذا كانت روسيا التي تخشى عواقب أشد سوف تفكر بالفعل مرتين قبل أن تخرق القوانين الدولية مجددا.