0

الطب الحيوي في الاتجاه المعاكس

لاجولا، كاليفورنيا ــ لفترة طويلة توقع الخبراء أن يهيمن علم الأحياء على القرن الحادي والعشرين، تماماً كما هيمنت الفيزياء على القرن العشرين. ولكن أبحاث الطب الحيوي لم تحقق بعد ذلك النوع من الزيادات الإنتاجية التي صاحبت التصنيع الإنتاجي لمحركات الاحتراق الداخلي، وتوليد التيار الكهربائي، والأجهزة الإلكترونية. تُرى هل يتبين لنا في النهاية أن "قرن علم الأحياء" كان مجرد وهم؟

تتلخص المشكلة إلى حد كبير في خفض الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الطب الحيوي. فكما هي الحال الآن، يُنفِق المستثمرون نحو 270 مليار دولار في هذا المجال سنويا، وينتج هذا المبلغ عدداً هائلاً من البحوث يبلغ نحو نصف مليون، ولكنه لا ينتج أكثر من عشرين إلى ثلاثين دواءً جديدا.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ويرتبط هذا التفاوت بين الإنفاق والناتج بما أصبح يعرف بقانون إيروم ــ أو قانون مور معكوسا. يلاحظ قانون مور الزيادة في قوة العمليات التي تنفذها أجهزة الكمبيوتر بمرور الوقت ــ أو على وجه التحديد أن عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها بتكلفة زهيدة على دائرة متكاملة يتضاعف كل 18 إلى 24 شهرا. وعلى النقيض من هذا، يسجل قانون إيروم التراجع في عدد الموافقات على العقاقير الجديدة، ويلاحظ أن تكاليف تطوير دواء جديد تتضاعف كل تسع سنوات تقريبا.

وتمتد جذور هذه الظاهرة إلى ارتفاع معدلات فشل العقاقير وإطالة دورات التكنولوجيا. فقد انخفضت احتمالات حصول عقار جديد يدخل التجارب السريرية على الموافقة من إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة من 23.9% في عام 1997 إلى 10.4% اليوم. وفي حين استغرق أول أنسولين مؤتلف الحمض النووي في ثمانينيات القرن العشرين أقل من عقد من الزمان من بدء الاختبارات إلى الحصول على الموافقة، فإن الأجسام المضادة الوحيدة النسيلة والعلاج الجيني استغرق أكثر من عشرين عاما.

حتى الآن، استجابت شركات الأدوية والبحوث في الطب الحيوي لقانون إيروم بخفض الإنفاق على البحث والتطوير أو نقله إلى مواقع أقل تكلفة في آسيا، وتحويل تركيزها إلى أمراض أقل انتشارا، والاستعانة بمصادر الإبداع في الخارج. ونتيجة لهذا، انحدر النمو في الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الطب الحيوي من أكثر من 9% سنوياً في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين إلى أقل من 3% اليوم. ولكن رغم أن هذه الاستراتيجية سوف تخفف من وطأة قانون إيروم، فإنها لن تكون كافية في نهاية المطاف للحفاظ على الصناعة.

وقد أدت عدم قدرة الصناعة على دعم ميزانيات البحث والتطوير بالفعل إلى إغلاق أكثر من ثلاثين موقعاً بحثياً رئيسيا. وتحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر لحالات الإغلاق هذه، مع تراجع الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الطب الحيوي بأكثر من 12 مليار دولار خلال الفترة 2007-2012. ومن غير المرجح أن تنجح آسيا ــ حيث تنمو مشاريع البحث والتطوير في مجال الطب الحيوي بسرعة ولكن انطلاقاً من قاعدة ص��يرة ــ في معادلة الفارق. والواقع أن البلدان الآسيوية كانت تميل إلى العزوف عن تحمل تكاليف تطوير أدوية جديدة، بسبب انخفاض العائدات كثيراً عن مستوياتها في الولايات المتحدة، ولن تضاهي إنتاجية المشاريع الآسيوية في البحث والتطوير مثيلاتها في الولايات المتحدة وأوروبا قبل سنوات أخرى عديدة.

وعلاوة على ذلك فإن شركات أبحاث الطب الحيوي تتخلى الآن عن أمراض بعينها من أجل تجنب التجارب الواسعة النطاق التي تحتاج إليها مثل هذه الأمراض، فتركز بدلاً من ذلك على "الأمراض اليتيمة" مثل التليف الكيسي، الذي يحتاج إلى تجارب سريرية أصغر وتنطوي على احتمالات نجاح أكبر، الأمر الذي يؤدي إلى إنتاج أدوية قد تكلف المريض الواحد أكثر من 100 ألف دولار سنويا. ولكن مع توجيه شركات التأمين والممولين المزيد من الانتباه إلى ضرورة التحكم في التكاليف، فإن آفاق نموذج العمل هذا في الأمد البعيد غير واضحة.

أخيرا، وفي حين تُنتَج العقاقير على نحو متزايد بواسطة شركات صغيرة تستحوذ عليها شركات الأدوية الأكبر حجماً بعد ذلك، فإن تمويل مثل هذه الشركات البادئة أصبح ناضبا. وعلى نحو مماثل، تواجه الجامعات ــ المصدر الرئيسي للإبداع في مجال الطب الحيوي ــ ميزانيات متضائلة. فهذا العام، كان تمويل معاهد الصحة الوطنية الأميركية ــ وهي من مراكز البحوث الطبية الرائدة على مستوى العالم ــ أقل بنحو مليار دولار عن عام 2012.

ويبدو أن إعادة التمويل إلى أبحاث الطب الحيوي الأساسية لم تعد الاختيار المفضل لدى صناع السياسات، وذلك لأن تمويل هذه الأبحاث لا يقدم عائدات اقتصادية فورية تمكنها من دعم نفسها ذاتيا. ويظل تمويل البحوث الأساسية يمثل أولوية متدنية في الاقتصادات الناشئة مثل الصين، حيث يمثل أقل من 15 سنتاً في مقابل كل دولار ينفق على البحوث عموما (مقارنة بنحو 35 سنتاً في الولايات المتحدة).

وفي غياب أي حل سحري في الأفق، فإن العديد من الحلول الأخرى تكتسب ثِقَلاً متزايدا. ولتعظيم الاستثمارات، يلجأ القطاع العام والقطاع الخاص إلى تجميع الموارد على نحو متزايد. على سبيل المثال، في إطار شراكة تعجيل الأدوية، يعتزم "تمويل معاهد الصحة الوطنية الأميركية" بالتعاون مع عشر شركات تعمل في مجال المستحضرات الصيدلانية البيولوجية تمويل جهد يمتد خمس سنوت لإضفاء الشرعية على أهداف واعدة في ثلاثة مجالات مَرَضية. وتتضمن مبادرات أخرى الجهود في مجال البحوث الخاصة بمرض الزهايمر لاختبار عقاقير متنافسة في مقابل "علاج وهمي" في تجارب سريرية، وفي أبحاث السرطان لاختبار علاجات متعددة في تجربة منفردة وتحديد المرضى الأكثر استجابة.

وسوف يتم توجيه هذه الموارد المجمعة نحو عدد قليل من الأمراض ذات الأولوية العالية، والتي يجري تحديدها من خلال تقييم المنفعة الحدية المترتبة على مشاريع البحث والتطوير الإضافية. ولابد أن تعمل استراتيجية اليابان المركزة لدعم البحث والتطوير في مجال الخلايا الجذعية كنموذج لبلدان أخرى.

وفي الوقت ذاته، لابد أن تعمل الحكومات على تنفيذ السياسات الرامية إلى توجيه الاستثمار نحو أمراض بعينها. على سبيل المثال، أسفرت زيادة تمويل معاهد الصحة الوطنية الأميركية، والتوسع في تفرد السوق، وتخفيف العقبات التنظيمية في الولايات المتحدة عن نهضة في تطوير المضادات الحيوية.

ولابد أن يتقاسم المجتمع أيضاً تكاليف تطوير الأدوية. وقد تحذو الهيئات التنظيمية في مختلف أنحاء العالم حذو المملكة المتحدة في تبني أسلوب الترخيص المتعدد الاستخدامات. فبموجب هذا النهج، تحصل العقاقير على موافقات مشروطة ثم يتم تسويقها، حيث تعمل العائدات المتولدة بعد الموافقة المشروطة على تغطية التجارب المكلفة لإثبات الفعالية. ويعمل هذا المخطط على خفض أسعار الأدوية، في حين يساعد في التغلب على تأثير قانون إيروم على الاستثمار في علاج العديد من الأمراض.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لا أحد يستطيع أن يجزم بما إذا كانت هذه الجهود قد تنجح في وضع أبحاث الطب الحيوي على قاعدة أكثر استدامة. ولعل قرننا هذا يكون قرن البيولوجيا حقا، ولكنه ليس بالأمر المؤكد.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel