singer194_Marcos del MazoLightRocket via Getty Images_animalcruelty Marcos del Mazo/LightRocket via Getty Images

مقياس التقدم الأخلاقي

ملبورن – لقد قال المهاتما غاندي " يمكن الحكم على عظمة أي أمة وتقدمها من خلال كيفية تعامل تلك الأمة مع حيواناتها " ولو طبقنا ذلك الاختبار على العالم بشكل عام، فكم من التقدم الأخلاقي قد حققنا خلال الالفي سنة الماضية؟

لقد تم طرح هذا السؤال في رواية الحمار الذهبي والتي يمكن القول بإنها أقدم رواية ما تزال باقية وهي تعود لحوالي سنة 170 للميلاد اثناء فترة حكم الامبراطور ماركوس اوريليوس للإمبراطورية الرومانية. كان المؤلف ابوليوس فيلسوفا وكاتبا افريقيا ولد فيما يعرف الآن بمدينة مداوروش الجزائرية ولقد تعلم اللاتينية واليونانية حيث أكمل تعليمه في اثينا وزار روما قبل العودة الى المنطقة التي ولد فيها.

ان رواية الحمار الذهبي مبنية على أساس السرد باستخدام ضمير المتكلم من قبل لوكيوس والذي قاده اهتمامه بالسحر الى ثيسالي وهي مقاطعة باليونان معروفة بقدرات سحرتها ولكن سعيه لتعلم فنون الظلام انتهى بشكل سيء وذلك عندما تحول الى حمار ومن خلال ذلك المظهر يصف لوكيوس من وجهة نظر الحيوان حياة حيوان متواضع مخصص للعمل في العصر الروماني.

ان الاشكال المختلفة لسوء المعاملة التي تعرض لها الحمار يمكن تصنيفها لثلاث فئات فهناك السادية: الولد العبد الذي يحمل له الحمار حطبا تم تجميعه من سفح الجبل والذي يعشق تعذيبه بضربه بالهراوات كما انه يضيف الصخور حتى يجعل حمله أثقل بالإضافة الى ربط الأشواك الحادة بذيله وأخيرا عندما يحمل على ظهره حمولة من الاغصان الجافة، يقوم بوضع الفحم عليها ومن ثم اشعال النار فيها بحيث بالكاد يتمكن الحمار من النجاة بحياته.

هناك أيضا الوحشية: حيث يقع الحمار بأيدي عصابة من اللصوص يقومون بضربه بدون رحمة ليس لأنهم يستمتعون بجعله يعاني، بل لإجباره على نقل فضتهم المسروقة عبر ممرات جبلية وعرة وشديدة الانحدار تقود الى مخبأهم.

أخيرا، هناك الاستغلال وهو أمر قاس ولكنه منطقي من الناحية الاقتصادية بالنسبة للمالك الجديد للحمار وهو صاحب مطحنة علما انه في تلك المطحنة وعلى مدار 24 ساعة باليوم تقوم الحمير والخيول بتدوير العجلة التي تطحن الحبوب لتصبح دقيقا وبعد ذلك يتم إطلاق سراحهم من عملهم الشاق لفترة تكفي فقط لتناول الطعام والنوم حتى يتمكنوا من العيش من اجل الاستمرار بالعمل. ان من يقومون بالأشراف على عملهم وضربهم لو تكاسلوا مجموعة من البشر الذين يتم استغلالهم ايضا للعمل كعبيد وهم يرتدون الخلق البالية وجباههم موشومة وأرجلهم مقيدة.

Back to Health: Making Up for Lost Time
Back-to-Health_event_Promotion-1_16x9

Back to Health: Making Up for Lost Time

The COVID-19 crisis has laid bare systemic inequities that will have to be addressed if we are ever going to build more sustainable, resilient, and inclusive societies. Join us on June 23, 2021, for our latest live virtual event, Back to Health: Making Up for Lost Time, where leading experts will examine the immediate legacy of the pandemic and explore solutions for bringing all communities and societies back to health.

REGISTER NOW

ان كل هذا يجعل رواية الحمار الذهبي نصا تقدميا على نحو لافت للنظر حيث توجب علينا ان نقفز للأمام 17 قرنا قبل ان نجد في رواية آنا سيويل "الحصان الأسود" عرض حي وعاطفي نسبيا لحياة حيوان تعرض لسوء المعاملة من قبل البشر ولكن ما الذي يمكننا تعلمه من هذا العمل الروماني عن التقدم الأخلاقي منذ كتابته؟

في العديد من البلدان فإن القسوة السادية للولد العبد ووحشية قطاع الطرق ستكون غير قانونية وهذا يعتبر تقدما ولكنه ليس شاملا بالمرة ولو عاد ابوليوس اليوم الى المنطقة التي ولد فيها، فلن يجد قوانين تحمي الحيوانات من القسوة ففي طول شمال افريقيا وعرضها فقط مصر لديها مثل هذا التشريع.

في غرب ووسط افريقيا فإن الحيوانات محمية بحكم القانون فقط في غانا ونيجيريا علما انه لا يوجد قوانين وطنية تتعلق بالرفق بالحيوان في السعودية وإيران والصين وعلى النقيض من ذلك هناك على اقل تقدير بعض الحماية التشريعية للحيوانات في كامل أوروبا (مع استثناء وحيد وهو بيلاروسيا) وشبه الجزيرة الهندية واليابان ومعظم جنوب شرق آسيا (فيتنام هي استثناء رئيسي) وأستراليا ونيوزيلندا ومعظم ارجاء الامريكيتين.

ان هذه القوانين عادة ما تحّرم كل من القسوة السادية والضرب الوحشي وان كانت هناك اختلافات على نطاق واسع في التطبيق ونظرا لإن المواقف من الحيوانات أيضا تختلف على نطاق واسع فإن الحيوانات تلقى معاملة أفضل في بعض البلدان بدون حماية قانونية مقارنة ببلدان أخرى تعتبر القسوة فيها غير قانونية.

لنأخذ على سبيل المثال البلدان المتقدمة، حيث يمثل استغلال الحيوانات لأغراض تجارية مشكلة أكبر بكثير. في جميع أنحاء العالم، يتم قتل أكثر من 70 مليار من الفقاريات البرية من أجل الغذاء كل عام، ويعيش 90 ٪ منها حياتها بأكملها داخل مزارع تأتي على شكل مصانع وعلى الرغم من أن عددًا قليلاً من الولايات القضائية، وخاصة الاتحاد الأوروبي، تحظر أكثر أشكال الاحتجاز قسوة، إلا أنه في معظم أنحاء العالم لا توجد عوائق أمام معاملة الحيوانات بأي طريقة تؤدي إلى زيادة الربح إلى أقصى حد علما انه من شأن اتفاقية مقترحة للأمم المتحدة بشأن صحة الحيوان وحمايته أن تساعد في معالجة هذا الوضع.

في الطاحونة التي يصفها ابوليوس تمت زيادة الأرباح من خلال جعل الحمير والخيول العاملة بالإضافة الى العبيد من البشر يعملون حتى يصبحوا على وشك الموت ولو ان بعض الحيوانات (أو العبيد) مات بالفعل، فإن استبدالهم كان أرخص من تحسين ظروف العمل التي قتلتهم.

وبالمثل، عندما تقرر الشركات الزراعية العملاقة اعداد الحيوانات التي تتجمع داخل حظائرها الضخمة، فهي تعلم ان مستوى الازدحام الذي يتسبب بأقل عدد من الحيوانات النافقة قبل أن تصل لوزن السوق هو ليس المستوى الأكثر ربحية علما ان المعيار الأخير أي وزن السوق هو المعيار الذي سوف تختاره تلك الشركات ونتيجة لذلك يعيش أكثر من 60 مليار حيوان سنويا حياة بائسة مع المعاناة من الازدحام في المزارع التي هي على شكل مصانع قبل ان يتم اقتيادها في شاحنات من اجل الذبح.

ان معيار غاندي للحكم على عظمة أمة ما وتقدمها الأخلاقي لا يقتصر على سوء معاملة الحيوانات بشكل سادي أو وحشي، بل ان هذا المعيار يشير فقط الى الطريقة التي تتم بها معاملة حيوانات أمة ما وعلى أساس هذا المقياس وطالما نبقي على معظم الحيوانات والتي نتحكم بحياتها من الولادة وحتى الممات في مثل تلك الظروف المريعة، فنحن لا نستطيع ان ندعي اننا حققنا تقدما أخلاقيا كبيرا منذ عصر ابوليوس.

https://prosyn.org/DUwpJfzar