22

الأرجنتين والقاضي جريزا

نيويورك ــ في الثلاثين من يوليو/تموز، لم يتلق دائنو الأرجنتين الدفعة نصف السنوية من أقساط الديون المستحقة لهم والتي أعيدت هيكلتها بعد عجز الأرجنتين عن سداد ديونها آخر مرة في عام 2001. والواقع أن الأرجنتين أودعت 539 مليون دولار أميركي لدى بنك نيويورك ميلون قبل ذلك ببضعة أيام. ولكن البنك لم يتمكن من تحويل الأموال إلى الدائنين: فقد أصدر القاضي الفيدرالي الأميركي توماس جريزا قراراً بأن الأرجنتين لا يجوز لها أن تدفع للدائنين الذين قبلوا إعادة جدولة الديون قبل أن تدفع بالكامل ــ بما في ذلك الفوائد الماضية ــ لأولئك الذين رفضوا إعادة الجدولة.

للمرة الأولى في التاريخ تبدي دولة ما استعدادها وقدرتها على سداد ديونها للدائنين ولكنها تُـمنَع بقرار من قاضٍ من القيام بذلك. وقد اعتبرت وسائل الإعلام هذا عجزاً من الأرجنتين عن السداد، ولكن الهاش تاج (#Griesafault) على توتير كان أكثر دقة. فقد أوفت الأرجنتين بالتزاماتها إزاء مواطنيها ودائنيها الذين تقبلوا إعادة جدولة الديون. ولكن القرار الذي أصدره القاضي جريزا يشجع السلوك الربوي، ويهدد قدرة الأسواق المالية العالمية على القيام بوظيفتها، ويتحدى المبدأ الأساسي في الرأسمالية الحديثة: فالمدينون المعسرون يحتاجون إلى بداية جديدة.

إن التخلف عن سداد الديون السيادية حدث معتاد لأسباب عديدة. وبالنسبة للأرجنتين، فقد بدأ مسارها إلى العجز عن سداد ديونها في عام 2001 بتضخم ديونها السيادية في تسعينيات القرن العشرين، والذي حدث بالتزامن مع إصلاحات "إجماع واشنطن" الاقتصادية النيوليبرالية التي اعتقد الدائنون أنها كفيلة بإثراء البلاد. ولكن التجربة فشلت، وعانت البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، ودامت حالة الركود من عام 1998 إلى عام 2002. وفي النهاية سجل معدل الفقر في الأرجنتين ارتفاعاً غير مسبوق إلى 57.5%، وارتفع معدل البطالة إلى عنان السماء فبلغ 20.8%.

وقد أعادت الأرجنتين هيكلة ديونها في جولتين من المفاوضات، في عام 2005 ثم في عام 2010. وقد قِبَل أكثر من 92% من الدائنين الاتفاق الجديد، فحصلوا على سندات مبادلة وسندات مرتبطة بمؤشرات الناتج المحلي الإجمالي. وقد نجح الاتفاق بالنسبة للأرجنتين وأولئك الذين تقبلوا إعادة هيكلة الديون. وارتفع الاقتصاد إلى عنان السماء، وكذلك كانت عائدات السندات المرتبطة بمؤشرات الناتج المحلي الإجمالي سخية.