32

اتركوا الشرق الأوسط يحكم نفسه

نيويورك ــ لقد آن الأوان لكي تترك الولايات المتحدة وغيرها من القوى الشرق الأوسط يحكم نفسه بنفسه بما يتماشى مع السيادة الوطنية وميثاق الأمم المتحدة. وفيما تفكر الولايات المتحدة في جولة أخرى من العمل العسكري في العراق والتدخل في سوريا، فينبغي لها أن تدرك حقيقتين أساسيتين.

الأولى أن تدخلات الولايات المتحدة التي كلفت البلاد تريليونات الدولارات وآلاف الأرواح على مدى العقد الماضي، تسببت على نحو ثابت في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، في حين أدت إلى معاناة هائلة في البلدان المتضررة. والثانية أن حكومات المنطقة ــ في سوريا والمملكة العربية السعودية وتركيا وإيران والعراق ومصر وبلدان أخرى ــ لديها الحافز والوسائل الكفيلة بتمكينها من التوصل إلى تسويات متبادلة. ولكن يمنعها من ذلك اعتقاد مفاده أن الولايات المتحدة أو قوة خارجية أخرى (مثل روسيا) سوف تحرز نصراً حاسماً نيابة عنها.

عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، اقتطعت القوتان العظميان في ذلك الوقت، بريطانيا وفرنسا، دولاً وريثة من أجل ضمان سيطرتهما على نفط الشرق الأوسط ومفاتيحه الجيوسياسية وطرق العبور التي تمر خلاله إلى آسيا. وبفضل نهجهما المستهزئ ــ الذي انعكس على سبيل المثال في اتفاق سايكس-بيكو ــ نشأ نمط من التدخل الخارجي المدمر. ثم ظهرت أميركا في وقت لاحق كقوة عالمية، فتعاملت مع الشرق الأوسط بنفس الطريقة، فأخذت تنصب الحكومات أو تطيح بها أو ترشوها أو تتلاعب بها بلا هوادة، وكل هذا في حين تتشدق بخطاب الديمقراطية.

على سبيل المثال، بعد مرور أقل من عامين بعد قيام البرلمان الإيراني المنتخب ديمقراطياً ورئيس الوزراء محمد مصدق بتأميم شركة النفط البريطانية الإيرانية في عام 1951، استخدمت الولايات المتحدة وبريطانيا أجهزة استخباراتهما السرية لإسقاط مصدق وتنصيب الحاكم العديم الكفاءة والمستبد العنيف الشاه رضا بهلوي. وليس من المستغرب أن تجلب الثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه في عام 1979 موجة ضارية من معاداة أميركا في أعقابها. ولكن بدلاً من السعي إلى التقارب، ذهبت الولايات المتحدة إلى دعم صدّام حسين خلال حرب العراق التي دامت ثماني سنوات ضد إيران في ثمانينيات القرن العشرين.