17

خراب الحرب

نيويورك ــ في عبارة شهيرة يقول كارل ماركس إن التاريخ يعيد نفسه، "المرة الأولى كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة". ومع ذلك، عندما ننظر حولنا في أيامنا هذه، لا يسعنا إلا أن نتساءل ما إذا كانت المأساة قد تلحق بها مأساة أخرى. فها نحن الآن نشهد الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، فنجد أنفسنا وقد أحاط بنا سيل من العنف والنفاق ومشاعر البغض من نفس الشاكلة التي دفعت العالم إلى الكارثة في عام 1914. وها هي ذي نفس مناطق العالم التي تورطت في المأساة آنذاك تعود إلى التورط من جديد.

بدأت الحرب العالمية الأولى بعقلية قائمة على اعتقاد مفاده أن الوسائل العسكرية قادرة على حل القضايا الاجتماعية والسياسية الملحة في أوروبا الوسطى. وقبل قرن من اندلاعها كَتَب المنظر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز: "إن الحرب امتداد للعلاقات السياسية ولكن بوسائل أخرى". ويبدو أن عدداً كافياً من الساسة في عام 1914 سَـلَّموا بصحة مقولته هذه.

بيد أن الحرب العالمية الأولى أثبتت أن كلاوتزفيتز كان على خطأ إلى حد مأساوي عندما ننظر إلى ما يجري في العصر الحديث. فالحرب في العصر الصناعي مأساة وكارثة وخراب ودمار؛ وهي لا تحل أية مشاكل سياسية. والحرب ليست امتداداً للسياسة بل للفشل السياسي.

كانت الحرب العالمية الأولى سبباً في إنهاء أربعة أنظمة إمبراطورية: الأسرة البروسية (آل هوهنتسولرن)، والأسرة الروسية (آل رومانوف)، والأسرة التركية (العثمانية)، والأسرة النمساوية المجرية (هابسبورج). ولم تسفر الحرب عن وفيات بالملايين فحسب؛ بل خلفت أيضاً إرثاً من الثورة، وإفلاس الدول، وتدابير الحماية، والانهيار المالي الذي مهد الساحة لصعود هتلر، والحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة.