2

عصر التنمية المستدامة

نيويورك ــ قبل نصف قرن من الزمان قال جون ف. كينيدي "إن الإنسان يحمل في يديه الفانيتين القوة الكفيلة بالقضاء على كافة أشكال الفقر وكافة أشكال الحياة البشرية". والواقع أن هذه الكلمات تخاطبنا اليوم بقدر عظيم من الإلحاح.

إن جيلنا قادر حقاً على إنهاء النكبة القديمة المتمثلة في الفقر المدقع. ولكنه قادر أيضاً على تدمير النظام الداعم للحياة على ظهر كوكب الأرض من خلال الدمار البيئي الناتج عن أنشطة بشرية.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وبحكم الضرورة إذن فقد دخلنا عصر التنمية المستدامة. لذا فأنا متحمس للغاية لإطلاق مقرر جامعي عالمي مجاني على شبكة الإنترنت يحمل نفس الاسم في يناير/كانون الثاني 2014. (وبوسع المهتمين بالانضمام إلى هذه الدورة التسجيل هنا). وإنني لأتمنى أن ينضم الناس من مختلف أنحاء العالمي إلى هذه الدورة ــ ثم ينضمون بالتالي إلى المسعى الذي دام جيلاً كاملاً لتحقيق التنمية المستدامة.

إن التنمية المستدامة تشكل وسيلة لفهم العالم وأيضاً وسيلة للمساعدة في إنقاذه. وباعتبارها وسيلة لفهم العالم فإن ممارسي التنمية المستدامة يدرسون التفاعلات بين الاقتصاد والبيئة والسياسة والثقافة والكيفية التي تؤثر بها هذه التفاعلات على الرخاء والدمج الاجتماعي والاستدامة البيئية. وبالتالي فيتعين على طلاب التنمية المستدامة أن يتناولوا بالدراسة مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك التنمية الاقتصادية والتعليم والرعاية الصحية وتغير المناخ وأنظمة الطاقة والتنوع البيولوجي والتوسع الحضري بين أمور أخرى.

وكوسيلة للمساعدة في إنقاذ العالم، تشجع التنمية المستدامة نهجاً شاملاً لتعزيز رفاهة الإنسان، وهو النهج الذي يتضمن تحقيق التقدم الاقتصادي ويعزز الروابط الاجتماعية القوية والاستدامة البيئية. وتصبح التحديات أكثر إلحاحاً مع تسبب الاقتصاد العالمي الضخم والسريع النمو في دمار بيئي هائل، ومع احتياج التكنولوجيات الجديدة إلى مهارات جديدة. ومن المرجح ألا يجد الشباب الذين يفتقرون إلى التدريب والمهارات المناسبة سوى فرص ضئيلة للبحث عن و��ائف لائقة والحصول على دخل لائق.

وأنا أتوقع أن تصبح التنمية المستدامة المبدأ المنظم لسياستنا واقتصادنا بل وحتى أخلاقنا في الأعوام المقبلة. وقد اتفقت حكومات العالم على وضع هدف التنمية المستدامة في قلب أجندة التنمية العالمية في مرحلة ما بعد عام 2015. ومن المقرر أن يتبنوا قريباً أهداف التنمية المستدامة، التي سوف تساعد في توجيه العالم إلى مسار أكثر أماناً وعدلاً في القرن الحادي والعشرين. وتماماً كما أثبت تبني الأهداف الإنمائية للألفية في عام 2000 فعاليتها العالية في الكفاح ضد الفقر والمرض، فإن أهداف التنمية المستدامة (التي سوف تخلف الأهداف الإنمائية للألفية في غضون عامين) تَعِد بمعالجة التحديات العالمية التي نواجهها في مجالات تتضمن الطاقة والغذاء والماء والمناخ وفرص العمل.

وأعتقد أيضاً أن تعليم الناس عالمياً وبالمجان على شبكة الإنترنت عن التنمية المستدامة من شأنه أن يساعد في تحريك الحلول العالمية. وتشكل الدورات العالمية على شبكة الإنترنت جزءاً من ثورة المعلومات الجارية في العالم ــ الثورة التي تعمل الآن على إعادة تشكيل التعليم العالي جوهريا، وفي المقام الأول من خلال خلق قنوات جديدة تسمح للمزيد من الناس بالوصول إليه في مختلف أنحاء العالم.

وأنا أعرف هذا من تجربتي الشخصية. فعلى مدى أغلب سنوات عملي كأستاذ لم تتغير تكنولوجيات التعليم كثيرا. فكنت أقف أمام طلابي لإلقاء محاضرة مدتها 57 دقيقة. ثم أفسحت السبورة السوداء الطريق أمام جهاز العرض الضوئي، ثم برنامج الباور بوينت، ولكن في ما عدا ذلك لم تتغير "تكنولوجيا" حجرة الدرس إلا قليلا.

ولكن بقدوم تكنولوجيا المعلومات الجديدة، بدأ التعليم العالمي (وبطبيعة الحال التعليم على المستويات الأخرى) يتغير فجأة. والآن بات من الممكن أن تحتوي المقررات على الكثير من المعلومات ــ بيانات، وملفات فيديو، بل وحتى دردشات حية مع خبراء في الجهة الأخرى من العالم. وبات بوسع المزيد والمزيد من الناس في مختلف أنحاء العالم أن يحصلوا بالمجان على مواد تعليمية عالية الجودة لم تكن في ما سبق متاحة إلا للقِلة من المحظوظين. ويشكل هذا أهمية خاصة اليوم، لأن تحديات التنمية المستدامة سوف تتطلب مواطنين مطلعين ومتعلمين في كل مكان.

ووفقاً لبيانات حديثة، فإن الدورات الجامعية على شبكة الإنترنت وصلت بالفعل إلى طلاب في أكثر من 190 دولة، فمكنتهم من مشاهدة المحاضرات والإجابة على الاختبارات والتفاعل مع الزملاء من الطلاب ومع الأساتذة. ويعمل التعليم على شبكة الإنترنت على تحويل حجرات الدراسة أيضا. فالآن يستطيع طلابي في جامعة كولومبيا، بدلاً من مشاهدتي أحاضر لمدة 57 دقيقة، أن يشاهدوا المحاضرات على الإنترنت قبل موعدها، الأمر الذي يسمح بمناقشات متعمقة وأكثر ثراءً في حجرة الدرس.

وفي السنوات المقبلة، أعتقد أن كلاً منا سوف يضطر إلى أن يصبح قائداً في مجال التنمية المستدامة في بيته ومجتمعه وبلده. وسوف يكون لزاماً على الملايين من الشباب قريباً أن يساعدوا في حل مشاكل مثل تغير المناخ والمياه والطاقة والنقل والتعليم. وسوف يتعين على الآلاف من المدن ومائتي دولة في مختلف أنحاء العالم أن تعمل على حشد كل أصحاب المصلحة ــ الحكومات، والمجتمعات، والخبراء، والشركات، والمنظمات غير الحكومية ــ لكي يضطلعوا بأدوارهم، وسوف يكون التعليم المفتوح على شبكة الإنترنت المفتاح الأساسي إلى نشر المعلومات التي يحتاج إليها كل أصحاب المصلحة.

ولهذه الأسباب، يسرني أيضاً أن تشكل الدورة التي أتولى تدريسها جزءاً من برنامج تعليمي أكثر عموماً في مبادرة شبكة حلول التنمية المستدامة، وهي مبادرة تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وأتشرف بإدارتها شخصيا. وتعمل مبادرة شبكة حلول التنمية المستدامة على حشد الخبرات العلمية والفنية من الأوساط الأكاديمية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص في دعم حل مشاكل التنمية المستدامة على كافة المستويات المحلية والوطنية والعالمية.

ويتلخص أحد الأهداف الرئيسية لمبادرة شبكة حلول التنمية في الوصول إلى الطلاب في مختلف أنحاء العالم من خلال تنمية ونشر المواد عبر الإنترنت لمناهج التنمية المستدامة. وهناك أكثر من عشر مؤسسات التزمت بالفعل بدمج عصر التنمية المستدامة في مقرراتها الدراسية، والمصممة خصيصاً بحيث تتلاءم مع ظروفها وقضاياها المحلية.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وسوف تشجع مبادرة شبكة حلول التنمية المستدامة جامعات العالم على المشاركة في حقبة جديدة من التعليم العلمي عبر الإنترنت. وسوف يكون الهدف تجهيز شباب اليوم لاستخدام القوة التي سوف تنساب قريباً بين أيديهم بحكمة للمساعدة في التصدي للتحديات الكبرى التي يواجهها العالم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali