15

السياسة الاقتصادية والانقلاب التام

نيوهافين ــ لقد وقع الاقتصاد العالمي في قبضة وهم خطير. فمع انتهاء الطفرة الكبرى التي بدأت في تسعينيات القرن العشرين وبداية ركود أكبر، لجأ صناع السياسات إلى حيل الهندسة المالية التي عفا عليها الزمن في محاولة لاستعادة السحر. وفي هذه العملية، حولوا الاقتصاد العالمي غير المتوازن إلى ساحة للتجربة الأعظم في السياسة الاقتصادية في التاريخ الحديث. وكانوا مقتنعين بأنها تجربة يمكن السيطرة عليها. ثم تبين أن هذا التصور كان بعيداً كل البعد عن الحقيقة.

كان صعود وهبوط اليابان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نذيراً بما هو قادم. ذلك أن معجزة نمو الاقتصاد الياباني الصاعد كانت قائمة على قمع الين على نحو غير قابل للاستدامة. وعندما تحدت أوروبا والولايات المتحدة هذه النزعة التجارية البحتة باتفاق بلازا في عام 1985، رد بنك اليابان بالتيسير النقدي العدواني الذي غذى فقاعات الأصول والائتمان الهائلة.

أما ما حدث بعد ذلك فهو تاريخ معلوم. فقد انفجرت الفقاعات فأسقطت معها اقتصاد اليابان غير المتوازن. ومع تدهور الإنتاجية إلى حد كبير ــ وهو العَرَض الذي حجبته الفقاعات ــ عجزت اليابان عن هندسة أي تعاف حقيقي. والواقع أنها لا تزال تكافح اختلالات التوازن حتى يومنا هذا، نظراً لعدم قدرتها أو عدم استعدادها لتبني الإصلاحات البنيوية اللازمة بشدة ــ أو ما أطلق عليه "السهم الثالث" في استراتيجية رئيس الوزراء شينزو آبي الاقتصادية، التي عُرِفَت باقتصاد آبي.

وعلى الرغم من الفشل الذريع الذي انتهى إليه نهج اليابان، فإن بقية بلدان العالم تظل ملتزمة باستخدام السياسة النقدية لعلاج الأمراض البنيوية الهيكلية. ثم قُضي الأمر عندما ظهر في عام 2002 بحث أساسي أجراه خبراء الاقتصاد لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والذي أصبح بمثابة المخطط الأساسي لسياسة تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي الأميركية في عهد رئيسي بنك الاحتياطي الفيدرالي ألان جرينسبان وبن برنانكي.