37

نجمة صفراء للدولة اليهودية؟

باريس ــ في الآونة الأخيرة، شهد العالم سلسلة سريعة من الجهود الرامية إلى نزع شرعية إسرائيل. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات الفرنسية أورانج" في مؤتمر صحفي في القاهرة عن رغبته في الانفصال عن الشريك الأميركي المرتبط بشكل أوثق مما ينبغي بإسرائيل. وفي شهر مايو/أيار، حاول الفلسطينيون شطب اتحاد كرة القدم الإسرائيلي من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). ومؤخرا، وافق اتحاد الطلاب الوطني في بريطانيا على قرار بقضي بدعم المقاطعة وفرض العقوبات على إسرائيل.

ومن ناحية أخرى، بدأت حملة لحظر المنتجات الإسرائيلية تكتسب المزيد من القوة في الولايات المتحدة وأوروبا. ثم هناك العديد من الفنانين الذين ــ سيراً على خطى براين إينو، وإلفيس كوستيلو، وفينيسا باراديس، وروجر واترز وغيرهم ــ يتساءلون صراحة حول الظهور أو الامتناع عن الظهور في "فلسطين المحتلة".

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

الواقع أن أياً من هذه التطورات ليس حدثاً عظيماً في حد ذاته، ولكنها في مجموعها تعمل على خلق مناخ جديد ــ وربما تشكل خطاً فاصلاً أو نقطة تحول.

وهذا ليس من قبيل المصادفة. فكل الأحداث الأخيرة يمكن تتبع منشأها، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى حركة المقاطعة العالمية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، التي تأسست في عام 2005 بواسطة 171 منظمة غير حكومية فلسطينية. وعلى هذا فإنها تقدم فرصة جيدة لتذكرة أولئك الذي يدعمون هذه الحملة بطبيعتها الحقيقية.

المفترض أن حركة المقاطعة العالمية حركة مجتمع مدني عالمية تجسد احترام القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. وإذا كان هذا صحيحا، فلماذا تستهدف الدولة الوحيدة في المنطقة التي تأسست على هذه القيم، وظلت مخلصة لها في السراء والضراء ــ ورغم حالة الحرب التي دامت ما يقرب من سبعين عاماً مع جيرانها؟ كيف تسنى لأنصار الإنسانية هؤلاء أن يمتنعوا عن ذِكر أي شيء على الإطلاق عن 200 ألف من ضحايا الرئيس السوري بشار الأسد، أو جرائم تنظيم الدولة الإسلامية، أو الترحيل الجماعي للمسيحيين من سهل نينوى، على سبيل المثال لا الحصر لقضايا معاصرة؟

يأتي الرد بأن حركة المقاطعة العالمية حركة "مناهضة للفصل العنصري"، وأنها تتبنى أساليب وروح نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا. ويبدو هذا رائعا. ولكن مرة أخرى، لماذا التركيز على إسرائيل؟ فمع نظام حكمها ومجتمعها المتعدد الأعراق ــ خليط من الأوروبيين الغربيين والشرقيين، والأميركيين والروس، والأثيوبيين والأتراك، والأكراد، والإيرانيين، والعرب (الذين يحتلون سبعة عشر مقعداً في الكنيسيت) ــ تصبح إسرائيل عكس دولة الفصل العنصري تماما.

وعلى النقيض من ذلك، في قطر، التي توفر مؤسساتها (جنباً إلى جنب مع مراكز بحثية سعودية) أغلب تمويل حركة المقاطعة العالمية، تتألف 95% من قوة العمل من آسيويين من غير المواطنين الذين يعملون في ظروف أشبه بالعبودية في ظل نظام الكفيل، القريب الشبه بالفصل العنصري.

لعل الهدف هو الضغط على إسرائيل لإبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين، وهو ما يستحق بكل تأكيد بعض الانسجام مع قطر. وفي هذه الحالة، فهي استراتيجية سلام غريبة تلك التي تفرض الضغوط على طرف واحد فقط من المتحاربين، والتي بدلاً من تقوية يد العديد من الإسرائيليين الذين يفضلون التفاوض، تفرض عقاباً جماعياً في هيئة الاستبعاد من المجتمع الدولي.

هناك صيغة حقيقية وحيدة للسلام، والجميع يعرفونها. وهذه الصيغة، المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو، هي حل الدولتين. وما عليك إلا أن تقرأ إعلانات عمر البرغوثي وعلي أبو نعمة، وغيرهما من المروجين لحركة المقاطعة العالمية، لكي تدرك أن هذا الحل هو على وجه التحديد ما لا يريدونه. فهم يفضلون "حل الدولة الواحدة" (المصطلح الذي استخدمه أبو نعمة) ــ تحت العلم الفلسطيني بالطبع.

تُرى أهذه مجرد تفاصيل يمكن تجاهلها بأمان على أساس أن حركة المقاطعة العالمية تستهدف "فقط" الأراضي، والمستوطنات اليهودية التي تبنى هناك، والسلع التي ينتجها المستوطنون؟ الواقع أنه مجرد حيلة أخرى.

فهنا أيضا، يكفي أن نقرأ الإعلان المؤسِّس للحركة في التاسع من يوليو/تموز 2005، والذي يقرر بوضوح أن واحداً من "أهدافه الثلاثة" يتلخص في "حماية حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأملاكهم كما ينص قرار الأمم المتحدة رقم 194". في الواقع وبالقانون، قد يرقى هذا إلى إنشاء دولة عربية جديدة على هذه الأراضي، دولة يمكن الاعتماد على خضوعها في الأمد القريب لعملية تطهير عرقي من شأنها أن تجعلها دولة خالية من اليهود.

وأخيرا، كيف يمكنني أن أمتنع عن تذكِرة أولئك الذين أصبحت ذاكرتهم عامرة بالثقوب، مثلها في ذلك كمثل طريقة تفكيرهم، بأن فكرة مقاطعة إسرائيل ليست جديدة كما يبدو؟ بل إن الفكرة أقدم من الدولة اليهودية، فقد نشأت في الثاني من ديسمبر/كانون الأول بقرار من جامعة الدول العربية، التي لم تُضِع الوقت آنذاك في الاعتماد على هذا القرار لرفض قرار الأمم المتحدة المزدوج الذي يقضي بإقامة دولتين. وبين المروجين لهذه الفكرة الألمعية كان بعض مجرمي الحرب النازيين الذين استقروا في سوريا ومصر، حيث أعطوا سادتهم الجدد دروساً في وسم واستهداف المتاجر والشركات اليهودية.

المقارنة هنا ليست حجة. ومعنى الشعار لا يكمن بالكامل في أصله. ولكن الكلمات لها تاريخ. وكذلك المناقشات. ومن الأفضل أن نعرف أن ذلك التاريخ، إذا كنا راغبين في تجنب تكرار أبشع مشاهده.

Fake news or real views Learn More

الحقيقة هي أن حركة المقاطعة العالمية ليست أكثر من صورة كاريكاتورية خبيثة للنضال المناهض للاستبداد والفصل العصري. فهي حملة ليس للمروجين لها هدف غير التمييز ضد ونزع شرعية وتشويه سمعة إسرائيل التي لم تكف في نظرهم عن ارتداء النجمة الصفراء.

وللناشطين من ذوي النوايا الحسنة، الذين ربما خدعهم التمثيل المراوغ المحتال للحركة، أقول فقط إن القضايا النبيلة التي تحتاج إلى المساعدة أكثر من أن نسمح لأنفسنا بالانجرار وراء قضية ملتبسة. ومن بين هذه القضايا التي تستحق العناء محاربة قاطعي الرؤوس الجهاديين، وإنقاذ النساء والفتيات اللاتي استعبدتهن جماعة بوكو حرام، والدفاع عن المسيحيين والديمقراطيين العرب المعرضين للخطر في الشرق الأوسط، وبطبيعة الحال السعي إلى تحقيق سلام عادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.