3

جُزُر من العزلة

باريس ــ قد يبدو اليابانيون والفرنسيون مختلفين تمام الاختلاف، ولكن نظرة فاحصة تكشف عن شيء أقرب إلى مصير متماثل لأهل هاتين الجزيرتين. فعلى خلفية الطموحات الإمبراطورية القديمة والنفور الواسع النطاق في كل من البلدين من القارتين العظميين اللتين لا يفصل بينهما وبين كل منهما سوى ممر بحري ضيق للغاية، فإن الشعبين البريطاني والياباني يصبحان عُرضة للانعزالية. ومن المؤسف أن كلاً من البلدين يبدو الآن مستسلماً لهذا الإغراء الخطير.

وقد تكون الجغرافيا مصيراً لا مفر منه. فباعتبارهم سكان جزر كانت علاقة كل من البريطانيين واليابانيين متحفظة مع ــ وكثيراً ما يشعرون بعقدة التفوق تجاه ــ الجيران في القارة العظمى، أوروبا والصين على التوالي. ولقد نجح كل من البلدين تاريخياً في التعويض عن عزلته بالاستعانة بحكومة مركزية قوية، وسلاح بحرية قوي، وروح المبادرة التجارية الديناميكية، والثقافة النابضة بالحياة، والطموح الإمبراطوري.

اليوم تتظاهر كل من اليابان والمملكة المتحدة بأنها مجتمع مفتوح وصاحبة مصلحة في عملية العولمة. والواقع أن كل من البلدين يظل في الأغلب الأعم منكفئاً على نفسه ومشغولاً بتفكك ثقافته الأصلية. وكل منهما يحاول يائساً محاصرة المهاجرين، سواء من خلال العزل الثقافي في المملكة المتحدة، أو مجرد الرفض في حالة اليابان. وكلما أصبحت الحضارات أكثر تشابكاً في النظام العالمي الجديد، كلما ازدادت رغبة اليابانيين والبريطانيين في البقاء بمعزل وعلى مسافة كبيرة.

وفي اليابان تتجسد إغراءات الانعزالية في الحنين الحالي لفترة ايدو، من 1600 إلى 1868، قبل أن يفتح الإمبراطور ميجي اليابان على العالم. وأصبحت قضية "العودة إلى فترة ايدو" الموضوع الرئيسي المهيمن على المناقشات العامة، التي يروج لها كتاب ومفكرون ومؤرخون مثل اينوز ناوكي (وهو أيضاً نائب محافظ مدينة طوكيو)، والذين يزعمون أن اليابانيين كانوا أكثر سعادة داخل عالمهم المغلق، المعزول عن السعي إلى تحقيق النجاح المادي واكتساب المكانة الدولية.