0

تقاليد حركات الإصلاح في الإسلام

إن " صِدام الحضارات " الذي يفترض بعض الناس أنه جارٍ الآن بين الغرب والعالم الإسلامي، والذي يرى الكثيرون أنه يتجلى في العراق كما يتجلى في العنف المتصاعد في المملكة العربية السعودية، يحجب عن الأعين في الحقيقة صراعات أخرى ستثبت الأيام على الأرجح أنها أكثر أهمية وأشد دلالة، على الأمد البعيد، من صدام الحضارات المزعوم. أحد هذه الصراعات يدور الآن بين المسلمين أنفسهم حول شكل الإصلاح داخل مجتمعاتهم.

إن التقاليد التي جرت عليها الحركات الإصلاحية الإسلامية، والتي تتلخص في البحث عن مصدر أصيل جدير بالثقة يربط بين تقاليد الإسلام وبين العالم المعاصر، لها جذور عميقة تمتد إلى منتصف القرن التاسع عشر. آنذاك، أظهر المفكرون الإسلاميون التباين الواضح بين انحدار المجتمعات الإسلامية وبين التفاعلية النشطة في أوروبا. وإنه لتمييز موجع في ضوء نجاح أوروبا في استعمار أجزاء شاسعة من العالم الإسلامي. كما ركز المفكرون المسلمون آنذاك على تفسخ المجتمعات المسلمة والفساد السياسي والاجتماعي الذي استشرى فيها.

كان العديد من المسلمين المنادين بالإصلاح من رجال الدين أو من كبار الموظفين في أنظمة بيروقراطية، ولقد عاينوا على أرض الواقع مدى الانحطاط الذي صارت إليه مجتمعاتهم. والأهم من ذلك أنهم كانوا أفراداً ضمن أقلية ضئيلة نالت تعليماً مستمداً من التراث الإسلامي المكتوب. وكانت طموحات أولئك الرجال تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد تلاوة القرآن، فقد كانوا يتوقون إلى المشاركة في الدراسات والمناقشات التي امتدت قروناً من الزمان بين علماء المسلمين حول الترتيب اللائق لحياة المسلم. ولقد مَكّنَهم هذا التدريب من عقد المقارنات بين حالة التردي والانحطاط التي سادت زمانهم وبين المبادئ والمطامح التي سادت بين أجيال سابقة من رجال الدين والمفكرين.

وكان الحكم الذي خرجوا به واضحاً: لقد انحط المسلمون إلى مستويات أدنى بكثير مما تطالبهم عقيدتهم بأن يتمسكوا به، وتأخروا كثيراً عن المنجزات التي أتى بها أسلافهم. وفي نظر الإصلاحيين فقد كانت الحالة السوية تعني التطور المضطرد للمجتمعات الإسلامية، وربطوا بين هذا الهدف وبين تفاعل التعاليم الإسلامية مع الأفكار السائدة آنذاك. وعلى هذا فقد سعى هؤلاء المصلحون الأوائل إلى الارتباط بالأفكار التي شهدوا بروزها في أوروبا: العقلانية والتسامح والسلوك الذي تحتمه الأخلاق.