0

النهضة الإسلامية المهجورة

كثيراً ما يمارس الأطفال لعبة حيث يجلسون في دائرة، فيهمس أحدهم بشيء ما إلى جاره، الذي ينقل بدوره هذه المعلومة همساً إلى الطفل التالي، وهكذا حتى تكتمل الدورة. وحين تنتقل المعلومة من الطفل الأخير في الدائرة إلى الطفل الأول مرة أخرى تكون قد اختلفت تمام الاختلاف عما قاله الطفل الأول في البداية.

وعلى ما يبدو أن شيئاً من هذا القبيل قد حدث داخل الكيان الإسلامي. ذلك أن نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) أرسله الله بدين واحد ـ وواحد فقط. ومع ذلك فقد أصبح لدينا اليوم آلاف الطوائف الدينية التي تزعم إنها تمثل الإسلام.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وبعد أن تشرذم المسلمون بسبب التفسيرات المختلفة، فقد كفوا عن الاضطلاع بالدور الذي قاموا به ذات يوم في العالم؛ بل إنهم بدلاً من ذلك أصبحوا ضعفاء وضحايا. فالاختلافات بين الشيعة والسُـنة، على سبيل المثال، بلغت من العمق حداً جعل كل جانب يتهم أتباع الجانب الآخر بالكفر. ولقد أدى الاعتقاد بأن مذاهب الآخرين ليست من الإسلام في شيء وأن أتباع هذه المذاهب ليسوا من المسلمين، إلى نشوب حروب ضارية هلكت فيها ملايين الأرواح ـ وما زال ذلك الهلاك مستمراً.

وحتى بين أتباع كل من الطائفتين ـ السُـنة والشيعة ـ هناك المزيد من الانقسامات. فالسُـنة لهم أربعة أئمة والشيعة لهم اثنا عشر إماماً؛ وتختلف تعاليم كل إمام عن تعاليم غيره من الأئمة. ثم هناك المزيد من الفِـرَق، بما في ذلك الدروز، والعلويين، والوهابيين.

فضلاً عن ذلك فقد تلقينا عن علمائنا أن تعاليمهم لا ينبغي أن تكون محل تساؤل أبداً. فالإسلام عندهم مسألة إيمان ولابد وأن يُـصَـدَّق. أما المنطق والعقل فليس لهما هنا أي دور. ولكن ماذا ينبغي علينا أن نصدق حين تعتقد كل شعبة من الإسلام أن الآخرين على خطأ؟ فالقرآن الكريم كتاب واحد، وليس اثنين أو ثلاثة أو ألف.

وطبقاً للقرآن فالمسلم هو كل من يشهد "أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". وبدون إضافة مؤهلات أخرى، فإن كل من يلتزم بهذا المبدأ لابد وأن يُـعَـد مسلماً. ولكن لأننا نحن المسلمين نحب أن نضيف مؤهلات مستقاة في كثير من الأحوال من مصادر غير القرآن، فقد أصبحت وحدة ديننا منقوصة.

ولكن ربما كانت المشكلة الأعظم تكمن في العزلة المتنامية للعلوم الإسلامية ـ فضلاً عن كثير من جوانب الحياة الإسلامية ـ عن بقية العالم المعاصر. فنحن نعيش عصراً من العلم حيث أصبح بوسع الناس أن يروا ما تحجبه الجدران، وأن يسمعوا ويشاهدوا أحداثاً تقع في الفضاء الخارجي، وأن يستنسخوا الحيوان. لكن الظاهر يوحي بأن كل هذه الأمور تتنافى مع معتقداتنا في القرآن الكريم.

وهكذا تكون الحال إذا ما كان أولئك الذين يفسرون القرآن قـد تلقوا تعليماً دينياً بحتاً، بما يحتويه من تشريعات وممارسات. وهم على هذا غير قادرين على فهم المعجزات العلمية التي نشهدها اليوم. وبطبيعة الحال تبدو الفتاوى التي يصدرونها متنافية مع العقل، ولا يستطيع أن يتقبلها أصحاب المعرفة العلمية.

فقد رفض أحد علماء الدين على سبيل المثال أن يصدق أن الإنسان قد هبط بالفعل على سطح القمر. وهناك آخرون يؤكدون أن العالم قد خُـلِـق منذ ألفي عام. فمسائل مثل عمر الكون وحجمه مقاساً بالسنوات الضوئية هي في نظر العلماء الذين تلقوا تدريباً دينياً بحتاً، أمور لا يمكن استيعابها.

وهذا القصور في الفهم مسئول إلى حد كبير عن الأحوال المحزنة التي صار إليها العديد من المسلمين. والحقيقة أن العمليات القمعية الـتي نشهدها اليوم، مـن قتل وإذلال للمسلمين، لا تحدث إلا لأننا ضعفاء، على النقيض من المسلمين في الماضي. وقد نشعر بأننا ضحايا ونتوجه بالانتقاد واللوم إلى المعتدين القامعين، ولكن لكي نصدهم عن أنفسنا فيتعين علينا أن ننظر إلى أنفسنا أولاً. لقد صار لزاماً علينا أن نتغير من أجل صالحنا. وليس لنا أن نطالب من يحطون من شأننا بأن يتغيروا لمصلحة المسلمين.

ماذا ينبغي علينا أن نفعل إذاً؟ في الماضي كان المسلمون أقوياء لأنهم كانوا علماءً ومتنورين. كانوا يقرءون تعاليم ووصايا النبي محـمد (صلى الله عليه وسلم)، لكـن القرآن لا ينص على ما ينبغي أن يُـقرأ بالتحديد. والحقيقة أنه لم يكن هناك ما نستطيع أن نطلق عليه "علوماً إسلامية" في ذلك الوقت، لذا فقد كانت القراءة بالنسبة لهم تعني قراءة كل ما هو متاح. لقد قرأ المسلمون الأوائل أعمال علماء الإغريق العظماء، سواء المتخصصين في الرياضيات أو الفلاسفة. كما درسوا علوم الفرس، والهنود، والصينيين.

وكانت النتيجة ازدهار العلوم والرياضيات. ولقد أضاف علماء المسلمين إلى كتلة المعارف العلمية، وطوروا فروعاً جديدة من العلم، مثل الفلك، والجغرافيا، وفروعاً جديدة من الرياضيات، فقدموا للعالم على سبيل المثال الرموز العددية التي مكنتنا فيما بعد من إجراء عمليات حسابية بسيطة ولا حد لها.

ولكن مع حلول القرن الخامس عشر تقريباً، بدأ علماء الإسلام في تحجيم وكبح الدراسة العلمية، وشرعوا في الاكتفاء بدراسة العلوم الدينية فقط، زاعمين أن أولئك الذين يدرسون العلوم الدينية ـ وبصورة خاصة الشريعة الإسلامية ـ هم فقط من يستحقون الفضل في الحياة الآخرة. وكانت النتيجة ارتداداً فكرياً في العالم الإسلامي، في ذات الوقت الذي شرعت فيه أوروبا في اعتناق المعارف العلمية والرياضيات.

ومن هنا، فبينما كان المسلمون يتراجعون فكرياً، كان الأوروبيون يبدءون نهضتهم، فطوروا وحسنوا السبل التي تعينهم على قضاء حوائجهم والوفاء بمتطلبات حياتهم، بما في ذلك تصنيع الأسلحة التي سمحت لهم في النهاية بفرض هيمنتهم على العالم.

وعلى النقيض من هذا، عمل المسلمون بصورة مهلكة، على إضعاف قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، حين أهملوا، بل ورفضوا دراسة الرياضيات والعلوم "الدنيوية" كما زعموا عنها. ولقد ظل قِـصَـر النظر هذا يشكل مصدراً أساسياً للقمع الذي يعاني منه المسلمون إلى اليوم. فما زال العديد من المسلمين يدينون، بل ويجرمون مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك لأنه حاول تحديث دولته. ولكن هل كان لتركيا أن تظل دولة مسلمة إلى اليوم لولا أتاتورك؟ لقد ساعدت بصيرته الواضحة في إنقاذ الإسلام في تركيا وإنقاذ تركيا من أجل الإسلام.

Fake news or real views Learn More

إن العجز والقصور في فهم وتفسير الرسالة الحقيقية والأساسية للقرآن لم يقد المسلمين إلا إلى المحنة التي يعيشونها اليوم. وحين اقتصرت قراءاتنا على العلوم الدينية وأهملنا العلوم الحديثة، فقد أدى بنا ذلك إلى تدمير الحضارة الإسلامية، وجعلنا نخسر مكانتنا في العالم.

يقول القرآن: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". لكن العديد من المسلمين يستمرون في تجاهل هذه الحقيقة، ويكتفون بالصلاة والدعاء إلى الله أن ينقذ المسلمين وأن يعيد إليهم مجدهم الضائع. لكن القرآن ليـس تعويذة نضعها حول أعناقنا لتحمينا من الشر. إن الله يعين فقط أولئك الذين يتفكرون.