10

الفائزون والخاسرون الجدد في الشرق الأوسط

برلين ــ قال الفيلسوف اليوناني القديم هرقليطس في وصف الحرب إنها "أم كل شيء". وفي ضوء الأحداث الدموية ــ والهمجية في واقع الأمر ــ التي يشهدها الشرق الأوسط (في العراق وسوريا على وجه الخصوص)، فقد يستسلم المرء لإغراء الاتفاق مع هرقليطس في وصفه للحرب، برغم أن مثل هذه الفكرة لم يعد لها مكان في نظرة ما بعد الحداثة إلى العالم في أوروبا اليوم.

إن الانتصارات العسكرية التي يحققها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا لا تغذي كارثة إنسانية فحسب؛ بل إنها أيضاً تدفع التحالفات القائمة في المنطقة إلى حالة من الفوضى، بل وحتى تدعو إلى التشكك في الحدود الوطنية. فالآن ينشأ شرق أوسط جديد يختلف عن النظام القديم في جانبين على قدر كبير من الأهمية: الدور المعزز الذي يلعبه الأكراد وإيران، وتضاؤل نفوذ القوى السُنّية في المنطقة.

إن منطقة الشرق الأوسط لا تواجه الانتصار المحتمل لقوة تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال القتل الجماعي واستعباد الناس (النساء والفتيات من الأزيديين على سبيل المثال) فحسب، فقد بات من الواضح أنها تواجه أيضاً احتمال انهيار النظام القديم الذي ظل قائماً في المنطقة بلا تغيير تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن تراجع القوى التقليدية المثبتة للاستقرار في المنطقة.

وقد أدى الضعف السياسي الذي اعترى هذه القوى ــ سواء الكيانات العالمية مثل الولايات المتحدة أو اللاعبين الإقليميين مثل تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية ــ إلى تراجع ملحوظ لأدوار القوى الديناميكية في المنطقة. فبرغم أن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي لا تزال تصنف حزب العمال الكردستاني المنادي بالاستقلال باعتباره منظمة إرهابية (وهو الحزب الذي ظل مؤسِسه عبد الله أوجلان حبيساً في سجن تركي منذ عام 1999)، يبدو أن مقاتلي حزب العمال الكردستاني هم الوحيدون الراغبون والقادرون على وقف تقدم تنظيم الدولة الإسلامية. ونتيجة لهذا فإن مصير الأكراد أصبح يفرض سؤالاً بالغ الإلحاح في تركيا.