27

الإبداع لا يكفي

كمبريدج ــ يبدو أننا نعيش في عصر يتسم بتسارع الاختراقات التكنولوجية الثورية. فلا يكاد يمر يوم من دون الإعلان عن بعض التطورات الجديدة الكبرى في الذكاء الاصطناعي، أو التكنولوجيا الحيوية، أو الرقمنة، أو الأتمتة. بيد أن أولئك الذين يُفتَرَض أنهم يعلمون إلى أين يقودنا كل هذا لا يمكنهم الاستقرار على رأي.

فعلى أحد طرفي الطيف نجد المتفائلين بالتكنولوجيا، الذين يعتقدون أننا على أعتاب عصر جديد ترتفع فيه مستويات المعيشة في مختلف أنحاء العالم بسرعة أكبر من أي وقت مضى. وعلى الطرف الآخر يقف المتشائمون من التكنولوجيا، الذين يرون إحصاءات الإنتاجية المخيبة للآمال ويزعمون أن الفوائد التي قد تخلفها التكنولوجيات على الاقتصاد بالكامل سوف تظل محدودة. ثم هناك أولئك الذين يشعرون بالقلق إزاء التكنولوجيا، والذين يتفقون مع المتفائلين بشأن حجم ونطاق الإبداع ولكن يساورهم قلق عظيم إزاء العواقب المناوئة التي قد توثر سلبا على تشغيل العمالة أو العدالة بين الناس.

وما يميز هذه الرؤى عن بعضها بعضا ليس الاختلاف حول معدل الإبداع التكنولوجي. فمن ذا الذي يمكنه التشكيك جديا في أن الإبداع يتقدم بخطى حثيثة؟ بل تدور المناقشة حول ما إذا كانت هذه الإبداعات والابتكارات ستظل حبيسة بضعة قطاعات كثيفة الاستخدام للتكنولوجيا والتي توظف أصحاب المهن من ذوي المهارة العالية وتظل تمثل حصة صغيرة نسبيا من الناتج المحلي الإجمالي، أو تنتشر إلى القسم الأكبر من الاقتصاد. إن نتائج أي إبداع على الإنتاجية وتشغيل العمالة والعدالة بين الناس تعتمد في نهاية المطاف على مدى سرعة انتشاره عبر أسواق العمل والإنتاج.

قد يكون الانتشار التكنولوجي مقيدا على جانبي الطلب والعرض من الاقتصاد. ولنتأمل جانب الطلب أولا. في الاقتصادات الغنية، ينفق المستهلكون القسم الأعظم من دخولهم على خدمات مثل الصحة والتعليم والنقل والإسكان وسلع التجزئة. وكان تأثير الإبداع التكنولوجي ضئيلا نسبيا حتى يومنا هذا في العديد من هذه القطاعات.