29

الاقتصاد في زمن عدم الاستقرار السياسي

ميلانو/ستانفورد ــ على مدار السنوات الخمس والثلاثين الماضية، شهدت الديمقراطيات الغربية صعوداً سريعاً في وتيرة عدم الاستقرار السياسي، والذي اتسم بتحولات متكررة في الأحزاب الحاكمة وبرامجها وفلسفاتها، مدفوعة جزئياً على الأقل بالتحول الاقتصادي والمصاعب الاقتصادية. والسؤال الآن هو كيف يمكن تحسين الأداء الاقتصادي في وقت يغلب عليه عدم الاستقرار السياسي الذي يعوق عملية صُنع السياسات الفعّالة.

في مقال نُشِر مؤخرا، يبين أحدنا (ديفيد برادي) علاقة الارتباط بين ارتفاع وتيرة عدم الاستقرار السياسي وتراجع الأداء الاقتصادي، مشيراً إلى أن الدول حيث الأداء الاقتصادي أقل من المتوسط شهدت القدر الأعظم من التقلبات الانتخابية. وبشكل أكثر تحديدا، يتفق عدم الاستقرار هذا مع انحدار حصة تشغيل العمالة في التصنيع أو الصناعات التحويلية في البلدان المتقدمة. ورغم أن درجة الانحدار تتفاوت بعض الشيء من بلد إلى آخر ــ فإنها كانت أقل حِدة في ألمانيا مقارنة بالولايات المتحدة على سبيل المثال ــ والنمط منتشر إلى حد كبير.

على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية بشكل خاص عملت التكنولوجيات الرقمية المتزايدة القوة على تمكين التشغيل الآلي وإدارة الوظائف "الروتينية" الإدارية والعمالية. وفي ظل التقدم في مجال الروبوت، والمواد، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، بات بوسع المرء أن يتوقع إلى حد معقول استمرار توسع نطاق الوظائف "الروتينية" التي يمكن تشغيلها آليا.

وقد عزز صعود التكنولوجيات الرقمية أيضاً قدرة الشركات على إدارة سلاسل الإمداد العالمية المعقدة المتعددة المصادر بكفاءة، وبالتالي تمكنت من اغتنام فرصة التكامل الاقتصادي العالمي. وبعد أن أصبحت الخدمات قابلة للتداول على نحو متزايد، انحدر التصنيع باضطراد كنسبة من تشغيل العمالة، من 40% عام 1960 إلى نحو 20% اليوم. ولكن في أغلب البلدان المتقدمة، لم يعمل القطاع القابل للتداول على توليد قدر كبير من فرص العمل، على الأقل ليس القدر الكافي للتعويض عن الانحدارات في التصنيع. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، كان صافي توليد الوظائف في الثلث المنتج للسلع والخدمات القابلة للتداول في الاقتصاد أقرب إلى الصِفر على مدى العقدين الماضيين.