22

تجاهُل الجاهل

ستانفورد ــ إن الناس لديهم الحق في أن يكونوا جاهلين. فتماماً كما نستطيع أن نختار إلحاق الضرر بصحتنا بالإفراط في تناول الطعام، وتدخين السجائر، وإهمال تناول الأدوية الموصوفة، فبوسعنا أيضاً أن نختار البقاء جاهلين بكل ما يتصل بقضايا السياسة العامة.

ولعل الجهل يكون منطقياً في بعض الأحيان. فوفقاً لخبراء الاقتصاد، يأتي دور "الجهل المتعقل" عندما تصبح تكاليف اكتساب القدر الكافي من الفهم لقضية ما من أجل اتخذا قرار مستنير في ما يتعلق بها أعظم من الفوائد التي قد يتوقع المرء أن يجنيها من القيام بذلك. فعلى سبيل المثال، سنجد أن العديد من المشغولين بالأسرة والمدرسة والعمل والرهن العقاري قد يرون أنه من غير المجدي من حيث التكاليف التمحيص والاختيار من بين كتلة كبيرة من البيانات غير المتناسقة غالباً من أجل التوصل إل فهم واضح، على سبيل المثال، للمخاطر والفوائد المترتبة على استخدام الطاقة النووية، أو اللدائن في تصنيع لعب الأطفال، أو اتباع النظام الغذائي المستخدم في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

إن الطوفان من البيانات المتضاربة المتعلقة بالتكاليف والفوائد المترتبة على استخدام أطعمة مختلفة يجسد التحدي التأصل في اتخاذ قرارات مستنيرة. في دراسة حديثة، وجد جوناثان شوينفيلد وجون ايوانيديس أنه على الرغم من الصخب الإعلامي فإن المزاعم "العلمية" بأن أنواعاً عديدة من الأطعمة تسبب الإصابة بالسرطان أو تحمي من الإصابة به كثيراً ما لا تكون مدعومة بتحليل النتائج (تحليل النتائج المجمعة من دراسات متعددة). وعلى حد تعبير ايوانيديس فإن "الناس يشعرون بالخوف أو ربما يتصورون أنهم لابد أن يغيروا حياتهم وأن يتخذوا قرارات كبيرة، ولكن سرعان ما يتم تفنيد المزاعم الجديدة".

ومن المرجح أن يميل الناس إلى ممارسة حقهم في الجهل ــ سواء المتعقل أو غير المتعقل ــ بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بقضايا العلوم والتكنولوجيا. في دراسة أجريت في عام 2001 برعاية مؤسسة العلوم الوطنية في الولايات المتحدة تبين أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين شملتهم الدراسة يفهمون أن الأرض تدور حول الشمس مرة واحدة في كل سنة، وأن 45% منهم يمكنهم تقديم "تعريف مقبول" للحمض النووي، وأن 22% فقط منهم يفهمون ما هو الجزيء.

في عام 1995، أعرب عالم الكون كارل ساجان عن قلقه إزاء الاتجاه نحو مجتمع حيث "نلجأ إلى كرة بلورية لنستطلع الأبراج دينيا، فتنحدر ملكاتنا العقلية النقدية بشكل حاد... وننزلق دون أن نلحظ تقريباً إلى الخرافات والظلام". وفي وقت أقرب، حذر المفكر البريطاني ديك تافرين من أنه "في ممارسة الطب، وفي الأساليب الشعبية في التعامل مع الزراعة والغذاء، والسياسات الرامية إلى الحد من الفقر والمرض، والعديد من القضايا العملية الأخرى، هناك اتجاه مستتر من اللاعقلانية التي تهدد التقدم الذي يعتمد على العلم، بل وحتى الأساس الحضاري لديمقراطيتنا".

والواقع أنه في حين يحق للناس أن يعتقدوا في استطلاع الأبراج، فإن الثقة في قدرة مثل هذه الأمور على جلب الحظ الطيب أو اليقين في طب الدجالين، فإن مثل هذه "العلوم التافهة الرخيصة" تتحول إلى تهديد خطير للمجتمع عندما يُسمَح لها بالتأثير على السياسة العامة. ولنتأمل هنا على سبيل المثال الاستجابة من قِبَل بعض الناشطين العام الماضي في كي ويست بولاية فلوريدا إزاء الجهود الرامية إلى وقف انتشار حمى الضنك، المرض الخطير الذي قد يهدد الحياة والذي عاد إلى الظهور في المنطقة في عام 2009 بعد غياب دام أكثر من سبعين عاما.

باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية، نجحت شركة أوكسيتيك البريطانية في إنتاج أصناف جديدة من أنواع البعوض التي تنقل حمى الضنك. وتحتوي البعوضة الجديدة على جين ينتج مستويات عالية من بروتين يعمل على منع خلاياها من العمل بشكل طبيعي، فيقتلها في نهاية المطاف. وطالما يتم تغذية ذكور البعوض المعدلة وفقاً لنظام غذائي خاص، فإن البروتين لا يؤثر عليها. وعندما يتم إطلاقها إلى البيئة فإنها تظل على قيد الحياة فترة كافية للتزاوج مع الإناث البرية، فتمرر إليها الجين المنتج للبروتين، الذي يقتل نسلها قبل أن يصل إلى مرحلة النضوج ــ فيؤدي هذا إلى القضاء على هذا النوع من البعوض بعد بضعة أجيال.

بعد تلقي الموافقات اللازمة، عملت شركة أوكسيتيك مع العلماء المحليين على إطلاق البعوض المعدل في جزر كايمان في منطقة جوازيرو في البرازيل. ووفقاً للروايات المنشورة عن هذا الإطلاق التجريبي، فإن هذا النهج كان فعّالاً للغاية، حيث نجح في تقليص أعداد البعوض المصاب بنسبة 80% في جزر كايمان وبنسبة 90% في البرازيل. وتنتظر الشركة الحصول على الموافقة من وزارة الصحة في البرازيل لتنفيذ هذا النهج كسياسة للسيطرة على حمى الضنك.

ورغم أن الإطلاق المماثل في فلوريدا قد يستغرق بضع سنوات، فإن بعض السكان المحليين أظهروا ردود أفعال قوية. فقد جمعت إحدى الناشطات مائة ألف توقيع على طلب يعارض استخدام البعوض في جهود المكافحة. ولكن مخاوفها ــ "ماذا لو لسعت هذه البعوضات أولادي أو كلابي؟ وكيف قد تؤثر على النظام البيئي؟" ــ لا تستند إلى أساس علمي، وبالتالي فهي تعكس جهلاً طوعيا. فبقليل من البحث، كانت لتكتشف أن ذكور البعوض لا تلسع، وأن البعوضات المطلقة في البيئة (الذكور) تموت في غياب النظام الغذائي المكمل المخصص لها.

والواقع أن الإطلاق التجريبي لم يكشف عن أي تأثيرات سلبية من أي نوع. ولكن تقديم الحقائق بطريقة معقولة، كما حاولت سلطات مكافحة البعوض في فلوريدا أن تفعل، لم يكن كافياً لتغيير رأي المعارضين. ومن المؤسف أن أولئك الين يختارون الجهل محصنين ضد العقل ــ أو يختارون تجاهل العقل ببساطة.

ولكن لماذا يخشى العديد من الناس الكثير من الأمور؟ يحدد عالِم الأمراض المتخصص في السرطان جيفري كابات عِدة عوامل، بما في ذلك "نجاح الحركة البيئية؛ وانعدام الثقة العميق في الصناعة؛ وشهية الجماهير النهمة للقصص المرتبطة بالصحة، والتي ترعاها وسائل الإعلام على النحو الواجب؛ والتوسع المذهل لمجالات علم الأوبئة وعلوم الصحة البيئية والأبحاث المتنامية المرتبطة بها".

Fake news or real views Learn More

بعيداً عن البواعث أو الدوافع، فإن الناس لديها الحق في اختيار الجهل. ولكن السماح لهذا الاختيار بدفع السياسة العامة يشكل تهديداً خطيراً للتطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali