0

حقوق الإنسان والجذام

براغ ـ في نهاية العام الماضي تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قراراً بالموافقة على المبادئ والخطوط التوجيهية لإنهاء التمييز ضد الأشخاص المصابين بمرض الجذام وأفراد أسرهم.

وكان هذا القرار بمثابة التتويج لعِدة سنوات من الضغوط التي مارستها مؤسسات الأمم المتحدة بواسطة مجموعات من الجماعات والأفراد الذين كرسوا جهودهم لتركيز الانتباه على إحدى قضايا الحقوق الإنسان التي طالما كانت موضع تجاهل: التمييز الاجتماعي الذي يعاني منه الأشخاص المصابين بالجذام. والواقع أن هذا التمييز يستمر عادة حتى بعد شفاء هؤلاء الأشخاص من المرض، الأمر الذي لا يفسد حياتهم فحسب، بل وأيضاً حياة أفراد أسرهم.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

أثناء قسم كبير من تاريخه الطويل، كان الجذام مثاراً للخوف باعتباره مرضاً غير قابل للشفاء، ويؤدي إلى تشويه المصابين به. وعلى هذا فقد دأبت المجتمعات على رفض ونبذ المصابين بهذا المرض على مر التاريخ. وفي كثير من الأحيان ينتهي بهم الحال إلى قرى منعزلة أو جزر نائية، وتحكم عليهم مجتمعاتهم بقضاء ما تبقى لهم من أيامهم في الحياة كمنبوذين.

واليوم أصبح الجذام مرضاً قابلاً للشفاء، بالاستعانة بالعلاج المتعدد العقاقير، وهو عبارة عن مجموعة من الجرعات القادرة على قتل البكتيريا المسببة للجذام بنسبة 99.9% بعد الجرعة الأولى. ومنذ تقديم العلاج المتعدد العقاقير في أوائل الثمانينيات، شُفي ما يقرب من 16 مليون شخص من المرض على مستوى العالم. ولكن على الرغم من ذلك، وحتى بعد تحرر المصاب من المرض تماما، فإن الوصمة المرتبطة بالجذام تستمر في عرقلة حياة الناس على نحو لا يمكن لأي دواء أن يعالجه.

إن فرص التعليم والعمل، والحياة الزوجية، والعلاقات الأسرية، والمشاركة المجتمعية، كل ذلك من جوانب الحياة المهددة بسبب وصمة الجذام. وتتبنى بعض البلدان قوانين تجيز التمييز، حيث يُعَد الجذام سبباً مشروعاً لطلب الطلاق على سبيل المثال. حتى أن أعضاء مهنة الطب عُرِف عنهم التمييز ضد المصابين بالجذام.

إن العديد من المشاكل التي يواجهها الأشخاص المتضررون بالجذام اليوم نابعة من جهل المجتمع بشأن هذا المرض. فهناك من يفترض مخطئاً أن الجذام مرض شديد العدوى، الأمر الذي يدفع الناس إلى تجنب المصابين بالمرض بأي ثمن. فضلاً عن ذلك فإن المفاهيم الراسخة التي تفترض أن الجذام عقاب إلهي تعمل على تدمير سمعة المصابين بالمرض واعتدادهم لذاتهم وتلقي بظلال كئيبة على أسرهم.

وعلى هذا فإن المبادئ والخطوط التوجيهية التي تبناها قرار الأمم المتحدة تصب في قلب هذه القضية. إذ تنص هذه المبادئ على أن التمييز ضد أي شخص مصاب أو كان مصاباً بالجذام أمر غير جائز. وهي تدعو الحكومات إلى إلغاء التشريعات التمييزية وإزالة اللغة التمييزية من النشرات الرسمية؛ لتوفير نفس النطاق والنوعية من الرعاي�� الصحية التي يتمتع بها الأشخاص المصابين بأمراض أخرى لهؤلاء المصابين بالجذام؛ وتعزيز الاندماج الاجتماعي.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ولكن من المؤسف أن قرار الأمم المتحدة ليس ملزما. فالقرار لا يتجاوز التوصية بالتزام الدول ومؤسسات المجتمع المدني بمراعاة المبادئ والخطوط التوجيهية التي تبناها. لذا فمن الأهمية بمكان ألا يلقى بهذا القرار إلى طي النسيان. ويتعين على بلدان العالم أن تستعين بهذا القرار باعتباره خريطة طريق لوضع حد للتمييز غير العادل وغير المقبول الذي يعاني منه المصابون بالجذام.

ونحن ندعو دول العالم كافة إلى انتهاز هذه الفرصة التي يوفرها قرار الأمم المتحدة التاريخي هذا للعمل نحو عالم أفضل حيث يصبح بوسع المصابين بالجذام وأفراد أسرهم أن يعيشوا بكرامة وأن يضطلعوا بدورهم في حياة المجتمع. لقد حان الوقت الآن لوضع حد لهذا الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان.