15

واقعية الهجرة

جنيف ــ كانت مشاهد الموت والبؤس التي تجري بوتيرة متزايدة في مياه البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرق آسيا سبباً في تركيز الانتباه المتجدد على أحد أقدم الأنشطة البشرية على الإطلاق: الهجرة. وقد حان الوقت لتقبل حقيقة مفادها أن موجات انحسار وتدفق حركة البشر، مثلها في ذلك كمثل أمواج البحر العاتية التي يعبرها كثير من المهاجرين، لا يمكن وقفها. ولهذا السبب، يتعين على المجتمع الدولي أن يدير الهجرة بالتعاطف والرحمة.

اليوم، يعيش ويعمل نحو 250 مليون مهاجر في مختلف أنحاء العالم، ومن المؤكد أن كثيرين آخرين سوف ينضمون إليهم في الأشهر والسنوات المقبلة. ويتعين علينا أن نضع السياسات اللازمة لإدارة تدفقات البشر على النحو الذي يفيد بلدان المهاجرين الأصلية وبلدان العبور والمقصد. وبطبيعة الحال، يتعين علينا أن نضمن رفاهة المهاجرين أنفسهم. وهذا يدعو إلى التحرك على أربع جبهات.

فبادئ ذي بدء، لا ينبغي لزعماء بلدان المقصد ــ سواء في أوروبا أو أفريقيا أو الأميركتين، أو آسيا، أو أوقيانوسيا ــ أن يديروا ظهورهم لليائسين والبائسين. وبالنسبة للعديد من المسؤولين المنتخبين، تشكل الهجرة معضِلة سياسية معقدة: فكيف قد يتسنى لهم التوفيق بين مطالب مواطنيهم ومصالح المهاجرين؟ ويتعين عليهم أن يعملوا على إيجاد القدر الكافي من الشجاعة لعرض الحجة لصالح سياسة الهجرة الإنسانية.

ولكن كثيراً ما يُستَخدَم المهاجرون ككباش فداء. لا شك أن المهاجرين لابد أن يوافقوا على التكيف والتأقلم مع ثقافات وعادات البلدان التي يحلون عليها. ولكن عامة الناس في بلدان المقصد لابد أن يعترفوا من جانبهم بالدور الحاسم الذي من الممكن أن يلعبه القادمون الجدد في الاقتصاد. الواقع أن المهاجرين يسدون ثغرات حرجة تتعلق بالمهارات، فيقومون بوظائف لا يستطيع غيرهم، أو يرفضون، القيام بها، ويحلون محل قوة العمل في بلد تتمكن منه الشيخوخة السكانية المتزايدة أو يتقلص عدد سكانه. ووفقاً لمعهد البحوث الاقتصادية الذي يتخذ من ميونيخ مقراً له، فإن ألمانيا وحدها سوف تحتاج إلى ما يقدر بنحو 32 مليون مهاجر بحلول عام 2035 للحفاظ على التوازن الكافي بين قوتها العاملة وسكانها في غير سن العمل.