11

الهروب من مكة

لوس أنجلوس ــ كان حادث التدافع الذي وقع مؤخراً في مدينة مكة، حيث كان مصير أكثر من ألف حاج يؤدون فرائضهم الموت دهساً تحت الأقدام، مأساة حقيقية. ولكنه يذكرنا بأهمية هذه المدينة في العالم الإسلامي. فوفقاً للعقيدة الإسلامية، فُرِض على كل مسلم القيام برحلة الحج إلى مكة مرة واحدة في حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

ولكن في الممارسة العملية، لم تلعب مكة مثل هذا الدور المهم في الإسلام إلا مؤخرا. صحيح أن مكة كانت تمثل دوماً أهمية رمزية، ولكن أهميتها بالنسبة للملايين من المسلمين في مختلف أنحاء العالم تمثل ظاهرة حديثة إلى حد كبير، وهي الظاهرة التي تنامت في العقود الأخيرة مع ترويج المسؤولين السعوديين ورجال الدين من الوهابيين الأصوليين للسياحة الدينية كوسيلة لنشر نفوذهم.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

على مدى القسم الأعظم من التاريخ الإسلامي، لم يكن أغلب المسلمين يسافرون إلى مكة. بل كانوا بدلاً من ذلك يقومون برحلات حج محلية إلى المزارات الرئيسية التي لا تزال تزين العالم الإسلامي. ويرجع بعضها لأنبياء ذكرهم القرآن حتى من قبل محمد؛ وترجع مزارات أخرى لأئمة الشيعة أو أتقياء الصوفية؛ وأخرى لنساء مسلمات مبجلات. ويشير اسم أحد الأماكن المقدسة، مقبرة ماكلي في باكستان، إلى طموحه في العصور الوسطى إلى التحول إلى مقصد بديل للحج: فماكلي تعني "مكة الصغيرة".

ترجع جذور الحج الحديث إلى نشأة السياحة الدينية إلى مكة في القرن التاسع عشر، عندما بدأت السفن البخارية تنقل أعداداً كبيرة من الحجاج إلى شبه الجزيرة العربية. وآنذاك، كما هي الحال الآن، كانت بعض الجهود المحلية تُبذَل للحد من أعداد الحجاج إلى مستويات آمنة أو لتوفير البنية الأساسية والقدر الكافي من الأمن للتعامل مع الجماهير الحاشدة من الزائرين. وكانت التدفقات السنوية، التي تتألف من مئات الآلاف من الحجيج المكدسين في سفن بخارية، مسؤولة عن نشر الكوليرا عبر المدن الساحلية من بومباي إلى هامبورج، الأمر الذي جعل من الحج سبباً رئيسياً للوفيات في مختلف أنحاء العالم.

وإلى حد كبير، كانت الطبيعة الدينية للحج سبباً في كتم أي انتقاد للطريقة التي يُدار بها. ولكن اعتبارات وتقديرات معاصرة تشير بوضوح إلى أن ليس الكل كانوا راضين عن إدارة السلطات في مكة لذلك الحدث. ففي ستينيات القرن التاسع عشر، كتبت سيكاندار بيجوم الحاكمة الهندية المسلمة لمدينة بوبال وصفاً شاملاً لمدينة مكة باعتبارها مدينة "قفر وكئيبة المظهر"، تمتلئ شوارعها "القذرة الرديئة الصرف" بالأمراض وعدم النظام. وبعد نصف قرن من الزمن، وصف الحاج عبد الرشيد إبراهيم من آسيا الوسطى القذارة والبؤس في المدينة المقدسة، سارداً القصص عن حجاج يسيرون عبر الشوارع وقد غاصت أقدامهم حتى الكواحل في الغائط.

ولقد لعبت السياحة الدينية دوراً محورياً في اقتصاد المنطقة في القرن التاسع عشر (حتى وصول رجال النفط من تكساس في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت مكة تعتمد بالكامل تقريباً على الحجاج الزائرين). ولكن أعداد الزائرين بدأت ترتفع بشكل حاد بعد سقوط المدينة تحت سيطرة العائلة المالكة السعودية عام 1924.

حتى ذلك الحين، كانت الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مكة هي استخدام حيوانات الأحمال. وقد جمعت الإمبراطورية العثمانية الأموال من المسلمين المتدينين (فاستجلبت الفنيين الألمان) لتمديد خط سكك حديدية من دمشق إلى المدينة المنورة. ولكن المحطة الأخيرة من الرحلة ــ إلى مكة ذاتها ــ ظلت حكراً خالصاً على البدو من أصحاب الأبل. وعندما قدمت الحكومة السعودية السيارات الفورد إلى المنطقة في عام 1930 تقريبا، اضطرت إلى استخدام كل مواردها العسكرية لمنع البدو من تدميرها.

من المؤكد أن الحكومة السعودية تواجه إقبالاً هائلاً من المسلمين الذين يطلبون السماح لهم بأداء فريضة الحج، وقد اعتمدت نظاماً للحصص للحد من أعداد الحجيج. ولكنها برغم ذلك تبذل جهوداً مضنية لاجتذاب الحجيج ــ وخاصة الأثرياء منهم ــ ببناء مظاهر الجذب السياحي، بما في ذلك مراكز التسوق الضخمة ونسخة هائلة الضخامة من ساعة بج بن في لندن، والتي تلوح في هيئة شديدة التنافر فوق الكعبة. ولا جدال في أن السلطات تسمح بدخول أعداد من الحجيج أكثر كثيراً مما قد تتمكن البنية الأساسية في المدينة من تحمله بأمان؛ والدليل على ذلك الكوارث المتكررة كتلك التي وقعت في شهر سبتمبر/أيلول.

الواقع أن الحكومة السعودية، منذ توليها السلطة، استخدمت مكة والحج كجزء أساسي من الجهود التي تبذلها لوضع المملكة في مركز العالم الإسلامي ونشر نسختها الوهابية من الإسلام. فبمجرد استيلاء العائلة المالكة السعودية على مدينة مكة، دمر الحكام الجدد الأضرحة الشيعية والصوفية التي ربما كانت تضعف مساعيها الرامية إلى احتكار المظاهر الشعائرية لطقوس الحج.

ويبدو أن نهج الحكومة السعودية كان ناجحا. فليس من غير الشائع أن يتبنى الحجاج من الهند أو إندونيسيا على سبيل المثال مبادئ صارمة محافظة بعد عودتهم من مكة. ولأن النفوذ يعبر عنه بالأرقام في نهاية المطاف، فليس من المستغرب أن يسعى السعوديون إلى تعظيم تدفقات الحجيج المسلمين كل عام.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

حتى عندما تجد نفسها في مواجهة أعداد هائلة من القتلى، فمن غير المرجح أن تغير المؤسسة السعودية نهجها. ويرجع الأمر إلى بقية العالم الإسلامي لتوفير البدائل للفكرة الحديثة، التي يناصرها الوهابيون السعوديون وغيرهم من كبار المحافظين، بأن مكة هي المركز الصلب والحتمي للعالم الإسلامي. فلا شيء يمنع الحكومات المسلمة من محاكاة السعوديين والترويج للأضرحة المهملة الواقعة على أراضيها.

والقيام بهذا لن يقلل فحسب من أعداد الحجاج المسافرين إلى مكة، فتصبح الزيارات أكثر أمانا؛ بل إن هذا من شأنه أيضاً أن يرغم المملكة العربية السعودية على تقاسم الأرباح الهائلة الناجمة عن السياحة الدينية. والأمر الأكثر أهمية هو أن تجاوز الحج الحديث إلى نمط أكثر تعددية من الحج من الممكن أن يساعد في وقف استيلاء الوهابية على العقيدة الإسلامية.