3

إلى أي مدى قد تتباطأ الصين

سول ــ كان أداء الصين الاقتصادي على مدار العقود القليلة الماضية متميزا. وبرغم أن مؤسساتها تختلف تماما عن تلك التي نراها في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يرجع بلا شك إلى نظامها الشيوعي، تمكنت الصين من تحقيق نمو سنوي بلغ 8.7% في متوسط نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي من عام 1980 إلى عام 2015. وكان المفتاح إلى هذا استراتيجيتها الفريدة المتمثلة في "عبور النهر بتحسس الصخور"، والتي سمحت لها باختبار وتنفيذ وتعديل الإصلاحات والسياسات المعززة للنمو تدريجيا.

ولكن برغم أن التنمية الاقتصادية في الصين كانت استثنائية في نواح كثيرة، فإن أداءها في ما يتصل بالنمو لم يكن فريدا. فقد نجحت كل من اليابان وكوريا الجنوبية في تحويل اقتصادها من خلال التصنيع السريع والسياسات الداعمة للتصدير، بدعم من الاستثمار القوي، قبل أن يتمكن منها التباطؤ. وإذا كان للصين أن تتمكن من إدارة التحديات الحالية ــ وبشكل خاص تباطؤ النمو الحاد ــ فينبغي لها أن تنظر إلى تجارب هذين البلدين للاسترشاد بها.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

اتبعت الدول الثلاث مسارا مماثلا، ولكن في أوقات مختلفة. فعلى أساس نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، تأتي الصين متأخرة خلف اليابان بنحو أربعين عاما وخلف كوريا الجنوبية بنحو عشرين عاما. فعلى وجه التحديد، بلغ متوسط نمو نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي السنوي في اليابان 8.6% في أواخر الستينيات، قبل أن يتدنى إلى 3% أو 4% في السبعينيات والثمانينيات. وهبط نمو الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية من 7% أو 8% في السبعينيات والثمانينيات إلى 4% في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي عام 2010 بلغ النمو بنسبة تتجاوز 10% والذي دام ثلاثة عقود من الزمن في الصين منتهاه، والآن أصبح المعدل السنوي أقل من 7%. في كل من هذه الحالات، أتى تراجع النمو عندما بلغ نصيب الفرد في الدخل نحو 8000 دولار أميركي.

asia's growth path

يمكننا تفسير مسار النمو الذي شهدته هذه الدول الآسيوية الثلاث بظاهرة "التقارب" ــ ميل الدول الفقيرة إلى النمو بسرعة أكبر من الدول الغنية، بمجرد معالجة بعض العوامل البنيوية والسياسات. والواقع أن المنطق الاقتصادي وراء عملية "اللحاق" هذه واضح ومباشر: ففي الدول حيث مستويات نصيب الفرد في الناتج أدنى من غيرها، تكون الفجوة أكبر بين المخزون الحالي والمحتمل من رأس المال والتكنولوجيا.

ومن الممكن إغلاق هذه الفجوة بسرعة من خلال تبني وتقليد التكنولوجيات القائمة، والتي تعمل على تحسين الإنتاجية، ومن خلال معدلات أعلى من تراكم رأس المال المادي، نظرا للعوائد الأعلى على الاستثمار. والواقع أن اليابان وكوريا الجنوبية والصين تمكنت جميعها من الحفاظ على مستويات مرتفعة من الاستثمار طوال عملية اللحاق، والتي بلغت ذروتها عند ما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي في اليابان في السبعينيات. وبلغت كوريا الجنوبية مستويات مماثلة في التسعينيات، ويبلغ الإنفاق الاستثماري في الصين حاليا أكثر من 45% من الناتج المحلي الإجمالي.

مع اقتراب الدول من مستويات نصيب الفرد المحتمل في الناتج، تتضاءل قوة التقارب، فيضطر المستفيدون إلى تعديل نماذج النمو وفقا لذلك. ويشكل الحد من الاستثمار، بسبب انخفاض عائداته، عنصرا مهما في هذا التعديل. ويتمثل عنصر آخر في زيادة الإبداع التكنولوجي، لتجنب التباطؤ الحاد في نمو الإنتاجية. ويتلخص ثالث في تحويل الإنتاج من السلع الزراعية والصناعية ذات القيمة المضافة المنخفضة إلى الخدمات المحلية ذات القيمة المضافة الأعلى.

والآن تلاحق الصين هذا التعديل، مثلها كمثل اليابان وكوريا الجنوبية من قبلها. ولكنها تواجه عقبات خطيرة، بدءا بالقدرات المؤسسية والبشرية المحدودة ــ وهو القيد الذي قد يعوق الإبداع المحلي وتخصيص الموارد بكفاءة. كما تواجه الصين تناقص نمو مدخلات العمل، نظرا لانخفاض معدلات الخصوبة والشيخوخة السكانية السريعة. فوفقا للأمم المتحدة، سوف يبلغ متوسط معدل نمو السكان في سن العمل نحو 0.1% بالس��لب في الفترة 2010-2020، وهو انخفاض حاد من 1.5% في الفترة 2000-2010.

بالإضافة إلى هذا، مع انتقال العمل إلى قطاع الخدمات، قد ينخفض نمو الإنتاجية الإجمالي كما حدث في اليابان وكوريا الجنوبية. في الصين، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي لكل عامل في قطاع الخدمات 1.3% فقط في الفترة 1981-2010، مقارنة بنحو 15.1% في قطاع التصنيع.

بطبيعة الحال، لا ينبغي للصين أن تعمل على استعادة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الماضية. فهذا إهدار للوقت. فكما أشار وزير الخزانة الأميركي السابق لورنس سامرز والأستاذ بجامعة هارفارد روبرت بارو، كان التباطؤ حتميا في الصين، تماما كما كان في اليابان وكوريا الجنوبية. وتشيير أعمالي البحثية إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين سوف ينخفض إلى 5% أو 6% في العقد المقبل، ثم إلى 3% أو 4% في الأمد البعيد.

بعد أن أصبحت أيام اللحاق المجيدة في الماضي، ينبغي للصين أن تستهدف رفع الدخول من خلال النمو المضطرد والحد من التقلبات. ولتحقيق هذه الغاية، يتعين عليها أن تركز تحديدا على منع الأزمات وإدارتها. وهنا كان خطأ اليابان وكوريا الجنوبية.

ففي الثمانينيات سمحت اليابان لفقاعات الأصول بالنمو. ولعل هذا كان السبب في تحفيز النمو لبعض الوقت، ولكن عندما انفجرت الفقاعات، ساعدت ديون النظام المالي الضخمة في دفع الاقتصاد إلى نوبة من الانكماش والركود لم تخرج منها بالكامل حتى الآن. وعلى نحو مماثل، انزلقت كوريا الجنوبية إلى الأزمة المالية عام 1997، عندما هرب المستثمرون الأجانب المذعورون، فكان في ذلك ضربة قوية لقطاع الشركات المثقل بالديون مع تزعزع أركان النظام المالي الذي كان يعاني من نقص الإشراف والرقابة.

في ظل الظروف الحالية، يبدو أن الصين تتحرك على مسار مماثل. فوفقا لبنك التسويات الدولية، سجلت ديون قطاع الشركات الصيني زيادة سريعة في السنوات الأخيرة، من 99% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 إلى 166% في عام 2015، وكان أكثر من نصف الديون راجعا إلى ضعف أداء الشركات المملوكة للدولة. ولا يبشر هذا بخير لقطاع الشركات أو النظام المالي.

لكن الأوان لم يفت بعد لتغيير المسار. ولتجنب الأزمة، يتعين على قادة الصين أن يتحركوا الآن لمعالجة نقاط الضعف في قطاع الشركات والقطاع المالي وتحسين أطر الاقتصاد الكلي والسياسات المالية. وللحفاظ على استمرار الإنتاجية ــ والدخل ــ في الارتفاع، يتعين عليهم أن يواصلوا تنفيذ الإصلاحات البنيوية الداعمة لمرونة سوق العمل وتنمية رأس المال البشري، مع خصخصة الشركات المملوكة للدولة وتحرير القطاع المالي.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

سوف تضطر الصين، مثلها في ذلك كمثل جيرانها، إلى مواجهة تباطؤ النمو، وما يترتب على ذلك من عواقب اجتماعية، بشكل مباشر. ولكن مستقبل الصين ليس بالأمر الذي قد يحدد سلفا بأي حال من الأحوال. وبالاستعانة بالنهج السليم، يصبح بوسعها أن تدير الانتقال السلس من مصاف الدول ذات الدخل المتوسط إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع ــ وهو الانتقال الذي لن يفضي إلى تحسين رفاهة 1.3 مليار مواطن صيني فحسب، بل وأيضا إلى الحد من المخاطر وأسباب عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali