gabriel13_BRENDAN SMIALOWSKIAFP via Getty Images_biden BRENDAN SMIALOWSKI/AFP via Getty Images

هل ترقى أوروبا إلى مستوى التحدي الذي يفرضه بايدن؟

برلين ــ يبدو أن رئيس الولايات المتحدة جو بايدن وجد مهمته: تأمين الغرب من خلال تعزيز ديمقراطياته الليبرالية ضد الإغراءات الاستبدادية، الخارجية والمحلية. بعد أن شهد محاولة انقلابية وفجوات تفاوت اقتصادية اجتماعية متزايدة الاتساع في بلده، يعلم بايدن أن الديمقراطيات لن تجد الدعم في الخارج قبل أن تفي بوعودها بالإنصاف والعدالة والأمن في الداخل.

إذا كانت أوروبا راغبة في المشاركة في عملية إحياء الديمقراطية، فيمكنها أن تبدأ بالاعتراف بالواقعية الكامنة وراء خطاب الإدارة الأميركية. الواقع أن بايدن لا يتوق إلى استعادة حقبة أسطورية ضائعة من الـعَـظَـمة الأميركية، كما فعل سلفه ترمب. إنه يركز على المستقبل، ويهتم بالمسائل التي تحرك الليبراليين الديمقراطيين والمحافظين على حد سواء.

على سبيل المثال، كيف يتسنى لنا خلق الفرص لمن تخلفوا عن الركب بسبب الرأسمالية العالمية، حتى لا يقعوا فريسة للوعود الكاذبة التي يبذلها الشعبويون؟ كيف نستعيد التزام البلدان الديمقراطية المتقدمة الأخرى بالقيم الديمقراطية؟ كيف يمكننا كبح جماح الصناعات المالية والتكنولوجية التي اكتسبت قدرا مفرطا من القوة، أو تشكيل نظام عالمي أكثر ديناميكية؟

كان المقصود دائما أن تكون فكرة "الغرب" عالمية، وأن تقدم إطارا معياريا للتعايش السلمي المزدهر بين الناس جميعا. فحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وتقرير المصير الديمقراطي، وسيادة القانون قيم ليست مقصورة على منطقة أو مجموعة بعينها من البلدان.

لكن إذا كنت زعيما صينيا، فسوف تتساءل لماذا يجب أن يتبع بلدك "الغرب"، وخاصة الآن حيث ينظر أغلب الصينيين إلى النظام الدولي على أنه مُـعاد لطموحاتهم وتطلعاتهم. من هذا المنظور، انتهى العصر الأوروبي الأميركي. إن علامات الانحطاط الغربي بادية للعيان في كل مكان ــ من كارثة حرب العراق ورئاسة ترمب إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وفي حين يسوق الأميركيون والأوروبيون الحجج للتأكيد على أهمية حقوق الإنسان الفردية، يتلخص رد الصينيين الواثقين في أنفسهم في أن هناك أيضا حقوق الإنسان الاجتماعية: في التعليم، والتغذية، والسكن اللائق، وما إلى ذلك. وهنا، حققت الصين بلا أدنى شك إنجازات عظيمة، حيث انتشلت أكثر من 800 مليون إنسان من براثن الفقر المدقع على مدار السنوات الأربعين الأخيرة.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2021_web4

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, topical collections, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more. All for less than $9 a month.

Subscribe Now

كل الخطوط مرسومة بوضوح إذن. لكي تتمكن أوروبا من تقديم مساهمة ذات مغزى في مهمة بايدن، يتعين عليها أن تصبح أكثر قوة. ولأن سياستها الخارجية والأمنية المشتركة تميل إلى التطور ولكن ببطء شديد، فيجب على أوروبا أيضا أن تواصل سعيها إلى توسيع السوق الموحدة، التي ستظل عامل الجذب الرئيسي في أوروبا ومصدر قوتها.

لكن السوق الموحدة لا يمكنها الاحتفاظ بجاذبيتها إلا إذا سمحت بقدر أكبر من الدينامية. لكي تصبح قائدة في مجال التكنولوجيا مع الإقلال من الاعتماد على الصين والولايات المتحدة، يتعين على أوروبا أن تستثمر المزيد في البحث والتطوير، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي. ينبغي لها أن تلاحق سياسة مناخية مشتركة مع الولايات المتحدة. وبينما وافقت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى مؤخرا على إعادة بناء شراكة عالمية أفضل لمنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية في آسيا الوسطى وأفريقيا وأميركا اللاتينية، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يبذل المزيد من الجهد لدعم هذا البرنامج، في حين يعمل أيضا على تعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي الرادعة.

مع اقتراب موعد الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر/أيلول، ينبغي لألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، أن تناقش الكيفية التي تعتزم بها تقوية الكتلة في السنوات المقبلة. مع ذلك، التزمت كل الأحزاب الألمانية الرئيسية والساسة الألمان الصمت حيال هذه القضية، ربما لأنهم لا زالوا ينتظرون ليروا كيف ستتطور الجائحة. يخشى كثيرون أن تستعيد البلدان الأعضاء الشمالية الأكثر ثراء قوتها الاقتصادية بسرعة بينما تتخلف بلدان أخرى ــ على وجه التحديد، إيطاليا وفرنسا ــ عن الركب لمسافة أبعد.

لن يكون صندوق التعافي الذي أنشأه الاتحاد الأوروبية بقيمة 750 مليار يورو كافيا لتحقيق أي شيء أشبه بالتقارب بين البلدان الأعضاء في الجنوب والشمال؛ في الواقع، لن يكون حتى كافيا لمنعها من الانجراف بعيدا عن بعضها بعضا. وبما أن البلدان الأعضاء الأكثر فقرا في الاتحاد الأوروبي مثقلة بالديون بالفعل، فلن تتمكن من اقتراض المزيد، وخاصة إذا ارتفعت أسعار الفائدة. حينما يبدأ التضخم في الارتفاع مرة أخرى، يجب أن تنتهي سياسة البنك المركزي الأوروبي الضمنية المتمثلة في تمويل ديون البلدان الأعضاء من خلال زيادة المعروض النقدي (من خلال المشتريات غير المحدودة من السندات الحكومية من البلدان الأكثر فقرا).

في ظل هذه الظروف، بتمثل السبيل الوحيد المتبقي للخروج في "اتحاد التحويل"، حيث تعمل البلدان الأكثر ثراء مثل ألمانيا على زيادة استثماراتها المالية في البلدان الأعضاء الأكثر فقرا. وزيادة الاستثمارات في البنية الأساسية، والتحول الرقمي، والبحث والتطوير مطلوبة ليس فقط لتعزيز الكفاءة والإنتاجية في البلدان الأعضاء الأضعف اقتصاديا، بل وأيضا للإبقاء على تماسك منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي. لكن الطريق طويل، وسيكون أطول بسبب افتقار أوروبا حاليا إلى الأدوات اللازمة لمتابعة الرحلة إلى النهاية.

من منظور السياسة المالية الألمانية، فإن الاستثمار في أوروبا الأكثر استقرارا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي من شأنه أن يدر عوائد هائلة. صحيح أن وجهة النظر السائدة في ألمانيا هي أن البلاد تستثمر في أوروبا أكثر مما "تحصل عليه منها"، لكن هذا محض هراء. فباعتبارها رائدة في مجال التصدير وتتمتع بفائض تجاري ضخم ومستدام، تحصل ألمانيا، بحكم التعريف، على أكثر مما تدفع.

بدلا من خلق انطباع بأن ألمانيا تعتمد على سوق التصدير الصينية، ينبغي للقادة الألمان أن يوضحوا أن اعتماد البلاد الحقيقي يجب أن يكون على السوق الأوروبية. تمثل صادرات ألمانيا إلى بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى أكثر من 50% من إجمالي صادراتها، في حين تمثل كل من الصين والولايات المتحدة نحو 10% فقط.

في الأمد البعيد، لن يكون أداء ألمانيا طيبا إلا بقدر نجاح جيرانها الأوروبيين. وكلما أسرعنا في إدراك هذه الحقيقة، كلما أصبحنا في حال أفضل. تنطبق عقيدة بايدن في ما يتصل بإصلاح الأمور في الداخل علينا نحن أيضا. يتعين علينا أن نُـظـهِـر أن مجتمعاتنا الراسخة ديمقراطيا أفضل من البدائل الاستبدادية. وإلا فإن الصورة المعيارية للغرب ستستمر في فقدان بريقها.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/BZnJ1c5ar