6

النجاة من إعصار سوق الإسكان التالي

كي ويست ــ كنت أقود دراجتي على طول الشاطئ هنا انتظارا لرؤية شروق الشمس، عندما أنار مصباح دراجتي علامات الإرشاد الدالة عل طريق الإخلاء إلى ميامي في حالات الإعصار. ولم أندهش لرؤية تلك العلامات، نظرا لشدة العواصف التي قد تضرب منطقة فلوريدا كيز. الأمر المدهش حقا هو أن تلك العلامات تحمل دروسا مهمة للتنظيم المالي.

الواقع أن منطقة فلوريدا كيز أكثر تطورا مما كانت عليه خلال حياة إرنست هيمنجواي على سبيل المثال. فعلى طول الأرخبيل الذي يبلغ طوله مائة ميل، يمكنك أن ترى تدابير الحماية المحكمة من الأعاصير. ومعايير البناء هناك أعلى، أي أن المقيمين هناك يمكنهم انتظار الإعصار حتى ينتهي داخل مساكنهم ــ أو على الأقل في مباني محلية. وإذا تطلب الأمر الإخلاء، فهناك ما يسمى "أوفرسيز هاي واي" ــ وهو إنجاز هندسي باهظ التكلفة يربط جزر الأرخبيل ببعضها بعضا وبالبر الرئيسي.

ولكن إذا لم يتم تنفيذ خطة الإخلاء على النحو اللائق، فقد تتسبب الاختناقات على طول الطريق الذي يبلغ 113 ميلا في عرقلة المواطنين الذين يجري إخلاؤهم. وإذا وجدت نفسك محصورا في اختناق مروري على الطريق، فلن تجد أمامك خيارات تُذكَر غير الانتظار والأمل.

الواقع أن خطط حماية النظام المالي اليوم تشوبها نقاط ضعف مماثلة.

فمنذ اندلاع الأزمة المالية، عكفت الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى على إعداد البنوك لتحمل أزمة مصرفية كتلك في الفترة من 2008 إلى 2009. والآن أصبحت الهيئات التنظيمية بشكل مبرر أكثر ثقة في إمكانية إعادة هيكلة أي بنك متعثر على نحو فعّال، وأن المودعين وغيرهم من الدائنين لآجال قصيرة لن يتسببوا في التعجيل بالانهيار بتسرعهم في سحب أموالهم. وهي على يقين من أن الدائنين لآجال طويلة سوف يتحملون الضربة.

ولكن ظَهَرت أدلة مزعجة تشير إلى أن النظام المالي العالمي في الإجمال ليس أكثر أمانا اليوم مما كان عليه في عام 2007. فعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، كانت سوق الإسكان المفرطة النشاط في أميركا تعمل كسوق مال لسنوات. وكان كبار المسؤولين الماليين في الشركات (وغيرهم من أولئك الذين يملكون أرصدة نقدية زائدة مؤقتة) يستخدمون أموالهم النقدية لشراء الأوراق المالية المدعومة بمجمعات من الرهن العقاري، والتي يعيدون بيعها للبنك في اليوم التالي، فيجنون مكاسب جذابة من الفوائد. وكانت هذه السوق التي تُتِم دورتها بين عشية وضحاها ضخمة ــ ولا تزال ــ حتى أنها تنافس حجم النظام المصرفي القائم على الودائع بأكمله.

بيد أن الثروة العقارية السائلة من غير الممكن أن تدعم بثبات استقرار سوق الالتزامات لليلة واحدة إلى الأبد. فعندما انفجرت فقاعة الإسكان أفلست سوق المال في الرهن العقاري. ولأن المسؤولين الماليين (وغيرهم من المدخرين المؤسسيين) لم تعد لديهم الرغبة في المجازفة بمبالغ كبيرة من الأموال النقدية على الرهن العقاري، فقد توقفوا عن الشراء، فأصبحت البنوك مفتقرة إلى النقد الكافي لتقديم القروض للشركات. ومثلها كمثل الإعصار، ضربت هذه الكارثة النظام المالي، الذي لم يتمكن من استيعاب الخسائر بسلاسة.

ولهذا، تعكف الهيئات التنظيمية على تشييد بنايات أكثر قوة وقدرة على الصمود في وجه الإعصار المالي. فهي تريد ضمان قدرة البنوك على سداد مجمعات الرهن العقاري لليلة وا��دة أولا. وبهذه الطريقة، يصبح مشترو مجمعات الرهن العقاري لليلة واحدة أقل ميلا إلى الفزع والتكالب على مسالك الإخلاء عند أول بادرة متاعب يتعرض لها أي بنك منفرد.

يبدو هذا عظيما ــ إذا نجح. ولكن ماذا لو قرر مشترو مجمعات الرهن العقاري لليلة واحدة في مواجهة الأزمة أن الأمر لا يستحق الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الآليات الشديدة التعقيد التي تتلخص الغاية منها في ضمان حصولهم على مستحقاتهم قد تعمل وفقا للخطة؟ وماذا لو شعروا بالقلق إزاء سوق الرهن العقاري بالكامل وليس مجرد سلامة بنك منفرد؟ ربما يفرون بشكل جماعي ــ آخذين معهم أموالهم.

وتمتد المشكلة إلى أبعد من ذلك. فإذا حظي أولئك الذين يستخدمون مجمعات الرهن العقاري لليلة واحدة بالأولوية قبل الدائنين الآخرين، كما هي الحال اليوم، فسوف تنمو السوق القصيرة الأجل للأوراق المالية في مجال الأسكان بكل تأكيد. فمن الجذاب للمستثمرين أن يحتفظوا بما يشبه النقد، في حين يستفيدون من أسعار فائدة أفضل من تلك التي تقترب من الصِفر على الودائع. وعلى نحو مماثل، سوف تفضل البنوك أسعار الفائدة على مثل هذه المشتريات لليلة واحدة على أسعار الفائدة على الديون الطويلة الأجل. وقد تكون النتيجة اعتماد حتى البنوك الأكبر حجما على مجمعات الرهن العقاري، والتي هي آمنة بالقدر الكافي إذا تعاملنا معها بشكل منفصل، ولكنها في مجموعها تجعل النظام بأسره أكثر هشاشة.

ومن الممكن توضيح هذا الخطر من خلال استعراض الوضع في منطقة فلوريدا كيز، فلو افترضنا أن 50% فقط من البنية الأساسية في الأرخبيل كانت قادرة على الصمود أمام إعصار في أوائل القرن العشرين، فإن هذا يعني إجلاء نصف السكان عندما يأتي الإعصار. وإذا أصبح طريق الهروب الضيق ــ حتى عام 1935، كان عبارة عن وصلة سكك حديدية دمرها الإعصار في حقيقة الأمر ــ مزدحما بشكل مفرط، فسوف يترتب على هذا مأساة محققة.

ولهذا السبب شددت السلطات قوانين البناء، فوفرت مستوى جديدا من السلامة اجتذب المزيد من السكان. وإذا غمر الفيضان أحد المباني، فمن المرجح أن يظل قائما. وفي كل الأحوال، يتمتع شاغلوا المبنى بوفرة من الخيارات: فمن الممكن أن يفروا إلى بناية مجاورة أو إلى طريق الهروب غير المزدحم. ولكن ماذا لو غمر الفيضان البلدة بأسرها؟ مع تضاعف عدد السكان، يصبح طريق الهروب مزدحما وخطرا إذا اتجه الجميع نحوه في وقت واحد.

تبدو جودة تدابير الحماية ضد الأعاصير في منطقة فلوريدا كيز هائلة. فحتى إذا لم تكن البناية آمنة بنسبة 100% ولم يكن طريق الهروب سلسا بنسبة 100%، فإن التدابير جيدة بالقدر الكافي لضمان أمان السكان.

ولكن من غير الممكن في القطاع المصرفي أن يكون المرء على يقين تام. فربما يكون مستوى السلامة لبنك واحد مفلس مرتفعا في الوقت الحاضر. ولكن يبدو أن هناك الكثير من نقاط الضعف في مجمل النظام إلى الحد الذي يحول دون ضمان عدم حدوث انهيار تام إذا أفلست بنوك عديدة في وقت واحد ــ أو ما هو أسوأ من ذلك، إذا عانت سوق الإسكان غير المستقرة المبنية على سوق الإقراض لليلة واحدة من أزمة أخرى من أزماتها التي لا تحدث إلا مرة واحدة في كل جيل. ومن خلال جعل الديون القصيرة الأجل القائمة على الإسكان أكثر جاذبية من غيرها من قنوات الادخار، نجلب على أنفسنا المتاعب.

ربما تنجح الأنظمة التي أقامتها الهيئات التنظيمية منذ أزمة 2008. وإذا كان الفشل موضعيا، فسوف تحقق نجاحا كبيرا في الأرجح. ولكن عند هذه النقطة يصبح من المستحيل، حتى بالنسبة للهيئات التنظيمية، أن تعلم على وجه اليقين ما إذا كان النظام قادرا على الصمود أمام فشل سوق كاملة. ولأن العالَم يعاني من فقاعات إسكان ضخمة كل عشر سنوات أو نحو ذلك، فقد لا تمر سنوات عديدة قبل أن يتبين لنا الأمر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali