5

هونج كونج وفخ الاستقلال

لندن ــ قبل ما يقرب من أربعين عاما، عندما زرت موسكو للمرة الأولى، كانت ردة فعلي الأولية الدهشة والذهول. إذ كانت الفنادق والمطاعم تُدار بطريقة في غاية الرداءة حتى أنه بدا من الصعب للغاية أن نتصور أن المؤسسة العسكرية السوفييتية قد تُدار بالقدر الكافي من الكفاءة لكي يتسنى لها أن تشكل أي تهديد حقيقي لخصوم الاتحاد السوفييتي. ورغم هذا، كان الغرب يخشى الجيش الأحمر ــ ولسبب وجيه.

الآن تبعث مدينتي المفضلة هونج كونج برسالة معاكسة. إذ أن مطاعمها تُدار بدقة، وهي تتباهى ببعض من أفضل الفنادق في العالم. من المؤكد أن أي مدينة يمكنها أن تعتني بزائريها بهذا القدر من الامتياز لا ينبغي لها أن تقلق من أي شيء، ربما باستثناء كيف تستخدم على أفضل نحو العائدات التي تجنيها من كفاءتها وما تتمتع به من عبقرية في ريادة الأعمال. ولكن مرة أخرى، قد لا تكون حقيقة الأمور كما تبدو عليه.

يعكس نجاح هونج كونج جزئيا الاعتدال الجوهري في الثقافة، ذلك القدر من الأهلية والعقلانية الذي يمكن المدينة ــ وهي منطقة صينية تتمتع بالحكم الذاتي ــ من الازدهار في بيئة معقدة. ولكن عندما زرت هونج كونج الشهر الماضي ــ وهي زيارتي الأولى منذ مظاهرات الديمقراطية العظيمة التي أجهِضَت في عام 2014 ــ بدا الناس أكثر عصبية مما كانوا لفترة طويلة.

والسبب هو أن حركة الاستقلال الوليدة تزلزل الأوضاع في هونج كونج. بدأ الأمر بدعوات ذات طبيعة معتدلة تنادي بقدر أكبر من الديمقراطية. ولكن الضوضاء المهدِّدة المتوعِدة القادمة من الصين، جنبا إلى جنب مع فشل حكومة هونج كونج في محاولة إدارة حوار معقول مع منتقديها بشأن المخاوف المتعلقة بالحكم أو التحديات الاقتصادية، دفعت العديد من الناشطين الديمقراطيين إلى التطرف. وهذا ليس من الحكمة في شيء.